حشد بلا وجه

سنبقى نستبدلُ أوطاناً أكثرَ مما نستبدلُ أحذية

أسماء الكلاب

 
 
نشر مركز الخدمات البيطرية بوزارة الزراعة الصهيونية والمعني بتسجيل الكلاب (أجلّكم الله) أن مئات الصهاينة منحوا كلابهم أسماءَ لقادة سياسيين من الكيان الصهيوني . وبيّنت وثائق المركز المذكور أن ثلاثة كلاب تحمل اسم أولمرت، واحد منها يسكن في الجليل السفلي، وآخران في المجلس الإقليمي مرحافيم، وأربعة كلاب تحمل اسم بيريز تعيش في مستوطنة كريات شمونة وبئر السبع وديمونا وبلدة كديما، و109 كلاب تحمل اسم بنيامين نتنياهو، أما اسم إيهود باراك فكان حظّه 410 كلاب يحملون اسمه في عموم الكيان الصهيوني الذي يهجع في أحشائه أزيد من 300 ألف كلب بحسب مستندات المركز !

 

بطبيعة الحال، فإن حكاية الكلاب قد لا تدلّ بوضوح على الأنماط العامة والمتحدة لشكل المجتمع الصهيوني، باعتبارها قد تكون حمّالة أوجه، ولكنها بالتأكيد تُحفّز إلى تشخيصه أو جزءٍ منه . فهو (بحسب تفسير وزارة الخارجية الصهيونية على موقعها الإلكتروني) مجتمع جديد ولكن جذوره تعود إلى الماضي البعيد ويتميز بتنوع كبير من حيث الخلفية العرقية والدينية والثقافية والاجتماعية، ولكن الخارجية الصهيونية لم تُفسّر معنى هذه الخلفيات للمجتمع الصهيوني لكي يتضح المشهد بشكل أدق، فهو قبل كل شيء (بحسب المشاهدة العلمية) مجتمع مهاجرين وبالتالي فهو يعيش ضياع هوية جامعة تُؤسس لمستقبل اجتماعي وثقافي آمن ومستقر، وهذا المجتمع غير المتجانس هو قبل كل شيء تزاوج قهري بين ميتافيزيقيا الصهيونية العالمية والقيمة الحقيقية للأوطان التي تمتاز بكثير من المقومات الأساسية لإنتاج مجتمعات نقيّة . هذا التزاوج القهري قد أريد له أن يتوافق على مشروع تهجين هذه العرقيات والثقافات لكي تتمالأ على هوية موحّدة، ولكن الإشكال الأكبر الذي واجهه ذلك المشروع هو الفصل الكبير بين أصالة الوافدين وأصالة الدولة الصهيونية المفترضة من حيث الانتماء المعنوي والممارسات والسلوك، بالإضافة إلى عدم تحريك الخصائص العامة المشتركة لكي تكون قواعدَ انتقالية (على أقل تقدير) لهذا المجتمع، وفي مواطن أخرى فشل فاعلية التجنيد الإجباري والمناهج المشتركة وتثبيت اللغة العبرية ومُقدّس الدولة وأزلية الاستهداف لتكوين هوامش تلك الهوية .

 

في المُحصّلة، فإن 76.2 في المئة من الملايين السبعة القاطنة داخل الكيان الصهيوني (وهم من اليهود) لا يجمعهم سوى أنهم في حاجة إلى أرض للسُكنى؛ لذلك ليس غريباً أن تستجيب هذه الجماعات المُستَقدَمة (وكأنها شكل من أشكال العمالة الوافدة) فقط لقناعاتها ومتطلباتها التي كانت تلتئم عليها في بلدانها الأصلية، فنجد أن أشهر مُدونة صهيونية من ضمن عشرات الآلاف من المدونات بعد مدونة يائر روائه هي لشخصية مجهولة يُعتقد أنها ليهودي روسي لا تهتم إلاّ بالمخدرات وأحدث أفلام الجنس وهي المشكلات ذاتها التي تعاني منها روسيا منذ أن تسلّمها بوريس يلتسن ! ليس هذا فقط بل إن إحدى الدراسات الأمنية الحديثة قد أشارت إلى أن التوجهات الحقيقية للشاباك والموساد قد تمنهجت وفق الطبيعة الحقيقية للمجتمع الصهيوني القائم على التنافر وعدم الانسجام نتيجة لتعدد الجنسيات واختلاف البيئات التي قَدِمَ منها اليهود إلى أرض فلسطين منذ تأسيسها، حيث تظهر التباينات بين السفارديم والإشكيناز والفلاشا والتمييز والفصل الحدّي بينهم .

 

أعود لمسألة تسمية الكلاب التي بدأت بها لأثير السؤال عنها، وهي استمرار غياب الكثير من التفسيرات الحقيقية للخلفية الثقافية والسياسية والسلوكية لمثل هذه الأفعال داخل المجتمع الصهيوني وغيرها كُثُر، ليستمر النقاش والبحث عن طبيعة ذلك المجتمع وإلى أين يسير .

 

الصّفَةُ وَالمَوْصُوف

 
ربما استطاع الأستاذ جهاد الخازِن تظهير قناعاته السياسية بطريقة لافتة عندما قال إنه " مع دولة الإمارات العربية المتحدة ضد إيران في مسألة الجزر الثلاث، ومع إيران ضد الولايات المتحدة و(إسرائيل)، ومع الولايات المتحدة ضد (القاعدة) " .

 

بطبيعة الحال، فإن هذا التعميد السياسي لم يعد قادراً على اختراق الكثير من المواقف الحزبية والعامة التي تبنّت هويّات مشروخة بدءاً من استحضار الدين بشكل معقوف كأحد مكوّنات الهوية، ومروراً بتحويل الأمّة من ظاهرة طبيعية ذات أصالة موضوعية (بحسب تعبير جورج قرم) في تشكيل الهويات إلى حالة مُهمّشة، وانتهاءً بسماح الوجدان العام (الإسلامي والعربي) لأن تتشرّب هذه الأمة نبيذ الاصطفاف الطائفي الذي أنبتته حقبة نهاية السبعينيات بعد أفول مشروعات اليسار والقومية، وعضّدته القضية العراقية بعد سقوط بغداد .

 

ضمن هذا الإشكال تبرز المواقف الندِّيّة للجمهورية الإسلامية ولارتداداتها في المنطقة بشكل فجّ وكريه، لتتحوّل ممانعة حزب الله وغلبته الآلة الصهيونية في حرب يوليو/ تمّوز إلى هزيمة بنظر بعض المعتوهين أو لعبة من تحت الطاولة لحزب عميل للصهيونية ! في الوقت الذي يُصرّح المسئولون الصهاينة بأن جيش الدفاع قد هُزِم، وبأن من أهم أولويات تل أبيب الأمنية الآن تصفية حزب الله وآلته العسكرية ! بل ليس غريباً أن تتحوّل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من جيب مقاوم رشيد عطّل اجتياح غزّة أكثر مما عطّلت فيه الدول الثلاث هبوب رياح النكسة أو النكبة (سمّها ما شئت) إلى راية حرب تقاتل بالنيابة عن الصفويين في الداخل الفلسطيني ! والأغرب من ذلك أن هذا الزاد قد أصبح مُقتاتاً من جماعات الدين وأندادها على السواء .

 

في بعض الأحيان أصِلُ ما يجري اليوم من خلط للمفاهيم إلى حالة مُركّبة تختلط فيها ما بشّر به سيمور هيرش من توجّه استخباراتي غربي لإعمال النَفَس الطائفي في المنطقة لاحتواء المحور الإيراني - السوري ومعه خيار الرفض للقَدَريّة السالبة كمعول ناجع ضمن معركة ممتدة، وأيضاً إلى حالة مُركّبة تختلط فيها الأفهام المبتورة للقضايا السياسية . فمن عيّر الرئيس الإيراني أحمدي نجاد على زيارته العراق من اليساريين يجب عليه ألاّ يحسبها كلقاء فرانكلين روزفلت بجوزيف ستالين أو لقاء نيكيتا خروتشوف بداويت آيزنهاور، أو لقاء ليونيد بريجينيف وريتشارد نيكسون وهم جميعاً كانوا في حرب كونية مفضوحة، ومن عيّره من القوميين فمن غير المنطقي استحضار لقاء جمال عبدالناصر مع جيفرسون كافري أو مع دونالد بيرجيس في ظل وجود الرغبة الأميركية في إسقاط نظام ناصر وعداء الأخير للغرب، بل الأفضل أمام كل ذلك تناول الأمور بشكل آخر، وهي ما كان يربط الإيرانيين بمن يحكمون بغداد اليوم، سواء أكان قطارهم أميركياً أم إيرانياً فهم في الفضل سواء بالنسبة إلى طهران التي كابدت العالم من أجلهم، بل الأكثر من ذلك إيصال ما تُعمله إيران في العراق بحالة التّيه العربية ضمن هذه الدائرة، وبالتالي الحكم بالتجزئة والقبول بقسمة لا تبخس أحداً، وهي إن الأنظمة العربية متواطئة في فلسطين ولبنان ومتواطئة أيضاً في العراق، أما الإيرانيون فهم متواطئون في العراق مع الأميركيين (كما يدّعي البعض) ومقاومون لهم في فلسطين ولبنان، وما يهم في كل ذلك هو ضرورة المفاضلة بين مدى تواطئ الإيرانيين في العراق مع الأميركيين (إن صدقوا طبعاً) وبين مدى تواطؤ الأنظمة العربية في فلسطين ولبنان، ثم بين مدى تواطؤ هذه الأنظمة في العراق ومدى مقاومة الإيرانيين في فلسطين ولبنان . ولا أحسب بعد ذلك أن يظفر أحدٌ بنتيجة سوى أن التواطؤ العربي ليس بالضرورة أن يكون مماثلاً للتواطؤ الإيراني . وللحديث صلة .

 

وأخُوْ الجَهَالَةِ فِي الشّقَاوَةِ يَنْعَمُ

 

 
 
مثلما خَلَطَ أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جون هوبكينز تريتا بارسي في هجائه اليميني للجمهورية الإسلامية وعلاقتها بالعراق؛ يخلُطُ آخرون معه في الاتجاه نفسه، وإن تبدّلت الإرهاصات في ذلك ما بين مذهبية وسيا/دينية فإنّ خواتيم الأمور هي ذاتها . وإذا كانت الفكرة التي أقفَلْتُ بها حديثاً سابقاً لي في ذلك قد تكوّمت على معادلة التواطؤ ومفاضلة تفاصيله ونماذجه فإنني لأَجِدُ اليوم في تفكيك السلوك السياسي منطلقاً آخر يُراكم التعريف الأليق بالعلاقات الإيرانية العراقية في حُقبة ما بعد صدام .

 

في الحالة الإيرانية وظروفها ينبغي تصوّر الأشياء من منبتها؛ فإيران الثورة لم تكُن جيرتها للعراق لتستمر أكثر من أربع وعشرين عاماً، قضت عاماً ونصف منها (فبراير/ شباط 1979 - سبتمبر/ أيلول 1980) في تحمية الظروف صدّاً ورداً كمقدمة طبيعية لأطول صراع جيراني في القرن العشرين، وثمانية أعوام عجاف في مرحلة لاحقة (1980 - 1988) كانت العلاقة خلالها علاقة احتراب مرير فاقت خسائره البشرية المليون ونصف المليون قتيل، وخسائره المادية قاربت الألف مليار دولار، تلتها خمسة عشر عاماً (1988 - 2003) من العلاقات الرمادية غير المنسجمة وغير المستقرّة بين البلدين رغم تسوية الكثير من مخلّفات الحرب ماعدا التعويضات، فكانت تلك الحقبة بلا ملامح واضحة، حَكَمَتها ظروف براغماتية حيناً إبّان حرب الخليج الثانية، وإنسانية حيناً أثناء الحصار الدولي الظالم على العراق والذي فرضته الولايات الأميركية باسم الأمم المتحدة، حينها كان العراق يبيع جزءاً من نفطه المكرر عبر إيران، ويستلم شحنات الأدوية والمساعدات الإنسانية عبر معبر شلمجه وثغرات الحدود الشمالية والغربية بينه وبين إيران، إلى حين انكباب التحالف الأنغلوساكسوني الاستعماري على خطة احتلال العراق والتي بدأت فعلياً بعد مجيء الجيل الثاني من المحافظين الجُدد إلى البيت الأبيض .

 

في فترة العد التنازلي لضرب بغداد لم يكن أمام الإيرانيين أكثر من معارضة الحرب، وإغلاق الحدود البرية والجوية بينهم وبين العراق إلاّ للظروف الإنسانية، والاستعداد لترجمة مقولة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله السيد علي الخامنئي بأنّ " الأميركيين لن يشربوا كأس ماء بهناء في العراق " ما عدا ذلك لا أظنّ أنّ خياراً واقعياً أمكن تفعليه خلال تلك الفترة، وإلاّ لكان حال الفرنسيين الشيراكيين والروس والصينيين أفضل .

 

بطبيعة الحال فإنّ الخيارين (خيار بقاء صدام وخيار وجود الأميركيين) لم يكونا أقل من السوء بشيء، فكانت المفاضلة في مندوحة الضرر فقط، فبقاء صدام ضعيفاً منكفئاً على نفسه وعدواً للغرب لن يُشكّل خطراً حقيقياً على إيران سوى في تعطيل مشاريعها لإقامة أحزمة سياسية وأمنية ممتدة، وتحويلها إلى خطوط اتصال متقطّعة قد تكون عبر الحدود الشمالية حيث كردستان العراق، لكنه بالتأكيد لن يكون حائلاً بينها وبين تلقّف ميزانه الاستراتيجي في المنطقة الذي أصبح مركوناً بفعل الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة، وضمن الخيار الثاني حيث الوجود الأميركي سيكون أمام الإيرانيين خطر الوجود التماسي بينهم وبين أهم عدو وخصم لهم على المستويين الدولي والإقليمي، وبالتالي إبعاد أيّ مشروع استثمار إيراني للعراق في حال نجح المشروع الأميركي هناك، لكنه وفي الوقت نفسه سيكون أمام الإيرانيين فرصة القفز على التمنّع الأميركي عبر بوابة الحاكمين الجُدد في بغداد والذين هم بالأساس حلفاء للإيرانيين قبل الأميركان لظروف تاريخية وعقائدية وأيديولوجية .

 

ضمن هذين الخيارين اللذين لم يكن للإيرانيين فيهما ناقة ولا جمل سوى التهيؤ للتعامل مع أحدهما؛ بدأت الدبلوماسية الإيرانية لاستثمار أفضل الأوراق ربحاً بالنسبة لهم وهي العمل بشكل مزدوج مع ملف العراق، وهي تطبيق نظرية المرشد الأعلى للثورة والقاضية بإعاقة أي مشروع أميركي ممتد وناجح داخل العراق أولاً لتأجيل أو إفشال أو تغيير أي خطّة متوسطة الأمد أو بعيدة الأمد لمواجهة الأراضي الإيرانية من قِبَل القوات الأميركية، وثانياً تقديم النموذج الأميركي كأحد أسوأ النماذج المدنية والعسكرية وبالتالي إبعاده عن أيّة حالة استقطاب شعبي أو نخبوي في المنطقة والعالم، وبالتالي التراجع عن الترويج له في سورية أو دول أخرى في الشرق الأوسط .

 

في الشّق الثاني للدبلوماسية الإيرانية المزدوجة في العراق كانت أعمال الروابط السياسية والعقائدية والتاريخية بينهم وبين حكّام العراق الجُدد والذين أصبحوا ذوي علاقة ثنائية مزدوجة ومعقّدة بينهم وبين الإيرانيين من جهة وبينهم وبين الأميركيين من جهة أخرى، وبالتالي فقد كان التوجّه الإيراني يهدف إلى زيادة نوعية الأوراق الرابحة لطهران في المنطقة، أو كما وصفها غسّان شربل قبل أيام نقلاً عن مسئول عربي حول وضع إيران في المنطقة " لا يمكن بناء عراق مستقر من دون موافقة إيران ومراعاة مصالحها وجزء كبير من مطالبها، ولا يمكن انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان من دون موافقة طهران، ولا يُمكن استئناف الحوار بين فتح وحماس من دون موافقتها أيضاً، فإيران موجودة في غزّة عبر حلفائها، وحاضرة على المتوسط عبر سورية وحزب الله، إنها تملك عبر كلّ ذلك قدرة التأثير على أبرز ملفين في المنطقة : أمن النفط وأمن إسرائيل " .

 

إيران اليوم تمدّ مدينة البصرة وبعض المدن الجنوبية بالكهرباء، وتطبع الكتب الدراسية العراقية، وتُكرّر النفط العراقي، وتدير شبكتي الاتصال في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، ولديها مليارا دولار على شكل استثمارات قروض مع الحكومة العراقية، ومؤخراً وقّع الرئيس أحمدي نجاد سبع مذكرات تفاهم تتعلّق بإنشاء المجمّعات الصناعية والتعاون في مجال التأمين والجمارك والتعدين والنقل والمقاييس، والتقى خلال زيارته بوفود العشائر العراقية ورؤساء الجامعات والفنانين والمثقفين، ومن يُرِدْ المزايدة على العلاقات الإيرانية والعراقية أو من يُرِد تصوير تلك العلاقة بفوبيا النفوذ من منطلق قومي فلا أعتقد بأنّ هذا الهاجس موجود لدى السوريين الذين لا يستطيع أحدٌ أن يُزايد على قوميتهم، وبالتالي فإنّ تصحيح الإفهام ومعرفة الظروف لتقييم واقع قائم هي أفضل طريق من فتح جبهات وخصومات جديدة لن تزيد المنطقة إلاّ تشظّياً .

 

الخصوم ووهم شراء الثورة بالتقسيط

 

 
 
في حدث مشابه في إجرائياته أصدر مجلس الأمن قراراً ثالثاً يحمل الرقم 1803 يراكم العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية في إيران بعلة استمرار تخصيب اليورانيوم . القرار الذي تدافعت عليه القوى ذاتها التي عملت على إصدار القرارين السابقين ربما تمالأت هذه المرة في وقت يمر فيه العالم بعدد من المتغيرات المهمة، أبرزها الانتخابات الروسية التي فاز فيها دميتري ميدفيديف، وتأجيل المحادثات الأمنية والسياسية بين الإيرانيين والأميركيين بشأن العراق وأيضاً استقالة الحكومة الإيطالية برئاسة رومانو برودي والتي تعتبر أهم شريك تجاري لإيران، وربما تعاظم الضغوط على سورية وإيران بشأن ترتيبات المنطقة وبالخصوص الملفين اللبناني والفلسطيني .

 

ضمن هذه القراءة؛ تبرز في جانب آخر العلاقات الممتدة بين إيران وجدران صدها المفترضة وتشابك المصالح معها ومع أشباهها بدرجات، وقد يبرز الموقف الروسي كأحد مكونات الفعل السياسي الدولي الناهض، فموسكو وخلال هذه المرحلة لا أظن أنها مهتمة أكثر من الدرع الصاروخي الذي تنوي الولايات المتحدة تشييده على الأراضي البولندية، والثاني متعلق بالنفوذ الأميركي في خواصرها المتقافزة من جورجيا وأوكرانيا وانتهاءً بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وطلبهما للعالم بضرورة الاعتراف بهما كدولتين مستقلتين، والثالث يتعلق ببقاء إيران كأحد الحلفاء الرئيسيين في المنطقة الجنوبية مع مشروطية عدم تحولها إلى قوة تتمنع ضد السياسات الأميركية والروسية معاً، والأخير يخص النفوذ على الشرق الأوسط مع الغرب .

 

بطبيعة الحال فإن هذه الملفات هي بالأساس هواجس الأمن القومي الروسي، وقد تأتي المساومات عليها بشكل أفقي من قبل أطراف دولية وإقليمية لتبديل مسارات علاقاتها الخارجية، ففي المحور الأخير ترى هذه الأطراف أن الروس يسعون من خلال إعادة إنتاج دورهم الإقليمي والعالمي إلى توسيع علاقاتهم الخارجية واستخدام أفضل الأوراق لتحقيق تلك الاستراتيجية، فوصولهم إلى المياه الدافئة في منطقة الخليج هدف قديم سعت وتسعى إليه موسكو، وهي بالتالي نقاط التقاء غير متفقة لكنها تبقى مساحات مشتركة في نهاية المطاف .

 

في المحصلة، بدأ الروس في تحسس وجود رغبة لدى دول إقليمية في الخليج للاستثمار في مجال الأمن الذي تمتلك فيه روسيا قدرة واضحة، فهي في النهاية تبقى المورد الوحيد والحصري للمشروع النووي الإيراني وهو ما يجعل الروس قادرين على إعطاء ضمانات أمنية وسياسية لدول الخليج بشأنه، كذلك فإن توشيج العلاقات الاقتصادية بين الخليج وروسيا ربما يرجع إلى العام 1994 في مجال الغاز والطاقة الكهربائية ومنشآت تصدير الغاز الطبيعي المسال وتحلية مياه البحر وتنشيطه في العام 2003 تلتها دولة الإمارات العربية المتحدة بميزان تجاري جيد وسلطنة عمان بالمساهمة في خطوط أنابيب نفط بحر قزوين والمجال الكازخستاني والبحرين من خلال الخدمات النفطية ومصرفي " روسكي كرديت بنك " و " مي تو إتش كومبانك " والكويت بالاستثمار في مرفأ موماشك في الشمال الروسي، وعلى رغم عدم تخطي التعاون الخليجي الروسي حدود التعاون الصناعي إلى الاستفادة من الخبرات الروسية في المجالات النووية وصفقات التسلح فإنها تبقى مؤشرات جيدة بالنسبة إلـى الطرفين .

 

ضمن هذا المنحنى يمكن تقصي إرهاصات الموقف الروسي الذي تمثل (بالإضافة إلى التصويت على القرار الأخير) توجيه توبيخ مزدوج عبر رئيس لجنة الشئون الخارجية في مجلس الدوما إلى طهران وتحذيرها من المماطلة في الاستجابة للقرارات الدولية، ولوم المعارضة اللبنانية وعلى رأسها حزب الله وتحميلها المسئولية عن الوضع السائد في لبنان، لكن الأكيد أن الروس قد يفاضلون بين هذه الأغوار الجغرافية مع طهران، لكنهم أيضاً لا يقيمونه عندما يصل الأمر إلى المس بالاستراتيجيات والتوازنات القائمة في المنطقة عبر سلب إيران قدرة البقاء كقوة مزعجة للخصم الرئيسي للروس وهو الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما عكسه بيان الخارجية الروسية من أن قرار مجلس الأمن " جاء نتيجة حوارات صعبة، ويشكل حلاً وسطاً لم يكن سهلاً، وخصوصاً أنه تم رفع كل البنود السياسية والاقتصادية التي كان دعاة انتهاج خط متشدد وقوي يصرون عليها، وضرورة مواصلة التعاون وتطوير الاقتراحات السابقة لتشجيع الإيرانيين على التعاون مع المجتمع الدولي، وهي تشمل تقديم تسهيلات في مجالات مهمة بالنسبة إلى إيران والمنطقة، على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية، واستبعاد استخدام القوة "، كما أن التعويض الروسي جاء في الجوانب الأكثر ديناميكية في المجال الاقتصادي مع الإيرانيين عندما تم الإعلان عن قرب توقيع اتفاق نوعي للتعاون معهم في صناعة الطيران، وإكمال إرسال الثمانين طناً من اليوارنيوم المخصب إلى محطة بوشهر الكهروذرية .

 

الصينيون بدورهم (وهم من أهم حلفاء إيران بعد الروس) صاغوا موقفهم بمحاذاة الموقف الروسي إلى حد ما، فهم يعانون من مرض مزمن في مجال الطاقة أشبه ما يكون بالمرض النفطي The Oil Disease وما يلحقه من تبعية الدولة الريعية إلى الخارج وتبعية المجتمع المدني إزاء هذه الدولة ولكن بطريقة مختلفة، فهم في حاجة متنامية للطاقة الأحفورية لتلبية احتياجات الحركة الصناعية .

 

وبكين ضمن هذا الحاضر تعتمد إلى حد كبير على النفط الإيراني والسوداني، لكنها تعلم أنها بحاجة إلى أسواق مختلفة ضمن سياسة سلة متنوعة من الخيارات، لذلك فهي قد تتجه صوب دول جنوب الخليج لهذا الغرض، وعلى رغم أن مبادلاتها مع هذه الدول لم تزد على أربعة عشر مليار دولار العام الماضي فإن التوقعات تشير إلى أن هذه التبادلات التجارية سترتفع بنسبة عشرين في المئة، وخصوصاً أن المباحثات بين هذه الدول والصين بشأن تشكيل منطقة تبادل تجاري حر بين الجانبين بدأت منذ بداية العام 2005 .

 

وبما أن العلاقات الطاقية هي العمد الأساسي في هذه الشراكة فإن الأمر يعني أنها ستتحول بشكل آلي إلى علاقات شبه استراتيجية، وقد تستفيد دول جنوب الخليج من حاجات الصين المتصاعدة إلى الطاقة لأن تتحول إلى شريك أساسي منافس لنفط السودان وإيران، الأمر الذي يؤهلها لأن تصبح نقطة ارتكاز أساسية للصين في المنطقة . وربما مخرت الصين مع بقية الدول التي صوتت مع القرار للحصول على بعض مساحات التعاون مع هذه الدول عبر البوابة الأميركية، لكن من دون أن تحول نظرتها إلى إيران على أنها قوة اقتصادية يمكن الوثوق بها، وهو ما عبر عنه الناطق باسم الخارجية الصينية كين غانغ عندما قال إن " مجلس الأمن تبنى القرار رقم 1803، والهدف منه ليس معاقبة إيران، ولكن الدفع نحو استئناف الحوار، وإعادة تفعيل جولة جديدة من الجهود الدبلوماسية " .

 

القرار الأخير هو بلاشك سيزعج الاقتصاد الإيراني، لكنه لن يمس العلاقات التجارية بين إيران وكل من الصين وروسيا وإيطاليا بشكل أساسي، وللعلم فإن القرار ما كان ليمرر لولا التشذيب الذي طلبته هذه الدول على نصه لحماية مصالحها المباشرة مع طهران والتي تقدر بمئات المليارات من الدولارات، على رغم أن القرار يبقى في محصلته ذا بنود ناعمة ويمكن الالتفاف على الكثير من بنوده .

قَليلٌ مِنَ الخَجَل

 
بين خبر استجمام رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير وزوجته شيري بجنوب إفريقيا، وخبر ما يجنيه عمرو خالد من أموال نظير مشاركاته الدعوية، أو خبر إجلاء الأمير هاري من جبهة القتال الهلمندية خشيةً على سلامته، ضاعت أخبار غزّة وأشلاء أطفالها بين ترف هذه القصاصات وبين حالة الضمور الدينية والقومية وحتى الإنسانية للعالمين الإسلامي والعربي . في المُحصّلة إن ذلك الضمور هو في مرتبتين متقابلتين (راعٍ ورعيّة) تتمايز إحداها من الأخرى بدرجة من حيث المسئولية الأخلاقية .

 

ومن قُيّض له أن يتسمّر أمام شاشات التلفاز طيلة الأيام الماضية فلا أظنّ أنه لم يستحضر صنوف التاريخ وحوادثه أو خيارات الأمّة وخياراته بصفته فرداً مُكوِّناً لها أيضاً، على رغم أن ذلك الاستحضار للخيارات يذهب بشكل آلي نحو الزعامات السياسية والمُتسيّدين على السلطة . بالتأكيد لم يقُل أحد لهذه الزعامات إن تتزنّر براديكالية هوجاء؛ ولكن أحداً ليتساءل : ألا تستطيع هذه الزعامات أن تفعل شيئاً مادامت مُستحصلة لمقومات الدولة الأساسية في حدّها الأدنى من حكم وأرض وشعب ؟ ألا تستطيع مصر العروبة (على سبيل المثال)  تعليق العمل باتفاقية كامب ديفيد، أو على الأقل تجميد البند الأول مـن المـادة الخامسـة منها والمتضمنة " تمتّع السفن الصهيونية والشحنات المتّجهة من الكيان الصهيوني وإليه بحق المرور الحر في قناة السويس ومداخلها في كل من خليج السويس والبحر الأبيض المتوسط وفقاً لأحكام اتفاقية القسطنطينية لعام 1888 المنطبقة على جميع الدول " ؟ ألا تستطيع الدول النفطية في العالم العربي إعلان ضمان مالي مفتوح لأي ضرر قد تتكبّده دول الطوق (إن وُجِدت !) وفي طليعتها مصر إذا ما اتخذت إجراءات ما ردّة فعل طبيعية على ما جرى ويجري في غزّة ؟

 

من المخجل حقاً أن نسمع أنه وفي الحالة الوحيدة التي قُتِلَ فيها سيديروتي واحد بالكيان الصهيوني بسبب صاروخ حمساوي يهبّ جميع سفراء الاتحاد الأوروبي لتعزية رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت في هذا المصاب الجلل، في حين أن سفراء الدول العربية أو قادتها لم يستطيعوا إلاّ القول إن ما يجري في غزة هو أمر " غير معقول " !

 

بل إن العجب كل العجب أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس لم يُدرك بعد أن ما كان بينه وبين " حماس " منذ يونيو/ حزيران الماضي وإلى حد الآن قد أصبح ماضياً يُحْرَم الحديث عنه أو التعيير به أو التناكف بشأنه، بل عليه أن يُدرك (أكثر من ذلك) وهو أن " اعتداله " الذي كانت تتاجر به تل أبيب في مفاضلة رخيصة منها له مع الشهيد أبو عمّار لم ولن تُنتج له أو لحركة " فتح " معادلة سياسية يمكن الركون إليها، بل على العكس تماماً فهو لم يستطع أن يزيل حاجزاً من الحواجز الخمسمئة والسبعين التي تُقسّم الضفة الغربية إلى كانتونات مات على عتباتها العشرات من الشيوخ والمرضى والأطفال، في حين دفعت صواريخ  حماس  إلى أن يخرج شاؤول موفاز ويقول إن الحديث إلى حركة حماس ضروري لإنهاء ظاهرة الصواريخ المستمرة منذ سبعة أعوام، أو أن يدعو الحاخام اليهودي مناحيم فرومان من مستوطنة تقوع إلى عقد صفقة مع الحركة لإنهاء ظاهرة الصواريخ .

 

إني أقول هذا الكلام ليس من منطق ديماغوجي، أو خطاب انفعالي بل هو حصيلة ما نرقبه من حوادث؛ لأن السّفه الصهيوني قد وصل إلى منتهاه، وجوره قد وصل إلى العظم، فهناك 700 ألف فلسطيني (أي ثلث السكان تقريباً) قد دخلوا المعتقلات الصهيونية منذ العام 1967، وهناك 352 سجيناً منذ ما قبل اتفاقات أوسلو قضى 80 منهم أكثر من عشرين عاماً في السجن وعلى رأسهم سعيد العتبة الذي يقبع في السجن منذ 31 عاماً ! وهناك 355 طفلاً ومراهقاً من بين المعتقلين ! بل بات الفلسطينيون يدفعون في وجبة توغّل واحدة مئة شهيد، وبالتالي لا أظنّ أنهم باتوا يملكون أدنى احترام للحياة أو الموت معاً، ولكن المشكلة أن المنطقة الإسلامية والعربية مازالت تقيم احترماً لحياتها وموتها؛ ربما بسبب الإدمان الخبري المُزمن الذي لا يجب على الفلسطينيين أن يدفعوا ثمنه منا بأي حال من الأحوال .

 

تَحَدّياتُ الإقْلِيْم .. وَمُسْتَصْغَر الشَّرَر

 
 
أن يزور حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليس أمراً عادياً لعدة أسباب، أولها شخصي يعود إلى الرجل ذاته الذي ارتبطت به الحركة التجارية والعمرانية الملفتة للإمارة إلى الحد الذي دفع أحد السياسيين الخليجيين من قارئي الفنجان إلى أن يرى مستقبل دبي السياسي كمستقبل سنغافورة عندما اقتطعت من الاتحاد الماليزي في منتصف الستينيات، وثانياً لأن الرجل هو نائب رئيس دولة تعتبر من أهم الشركاء السياسيين والاقتصاديين لطهران إقليمياً ودولياً، حيث تشير الإحصاءات إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 7.11 مليارات دولار العام الماضي أي بزيادة في حجم الواردات الإيرانية من الإمارات بقيمة 2.9 مليار دولار، وثالثاً لأنها الزيارة الأولى لمسئول إماراتي على هذا المستوى منذ قيام الثورة الإسلامية في العام 1979 .

 

بطبيعة الحال فإن الزيارة لا يمكن فصلها عن الأحداث الخاصة التي يمر بها هذا الإقليم، والذي تتشاطأ على خليجه عديد من الدول، بينها ست دول التأمت ضمن اتحاد سياسي واقتصادي منذ العام 1981 ولغاية الآن، وربما قراءة سريعة لإرهاصات هذا التشكل من شأنها أن تعطي مؤشرات مهمة إلى الوضع الراهن (وقد ذكرتُ ذلك سابقاً) فقد كان الهمُّ الأول لهذا الكيان خلال تلك الفترة هو الهاجس الأمني الذي تعاظم بعد انتصار الثورة الإسلامية وما تبعها من نشوب أطول حرب في القرن العشرين بين إيران والعراق، فقد كانت مفاعيل الحرب العراقية الإيرانية واصطفافاتها تلقي بظلالها على سياسات دول المجلس التي بدت غير متفقة إلى حد ما في التعاطي مع القضايا الخارجية والداخلية للإقليم بالقدر الذي يوفر لها تماهياً في المصالح واتخاذ المواقف، فكانت سياسات المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت أقرب إلى بعضها من سياسات كل من عُمان وقطر والإمارات التي اتسمت بالبراغماتية في قبال سياسات الإقصاء والحذف Exclusion تجاه الخصوم .

 

وعلى رغم أن الهاجس الأمني بقي على حاله طيلة عقد الثمانينيات فإن تظهيره بدا أكثر جلاءً واتحاداً بعد احتلال نظام صدام حسين الأراضي الكويتية في أغسطس/ آب العام 1990، حيث سعت دول الخليج مجتمعة إلى التَّسَيُّج المحكم بالأمن المستورد من الولايات المتحدة الأميركية التي صاغت حينها نظاماً عالمياً جديداً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانكفاء العراق على نفسه وانطلاق مؤتمر مدريد للسلام، فكان ذلك إطاراً أمنياً بديلاً عن ضمور خيار الضم Inclusion في المعادلات السياسية بالنسبة إلى دول المجلس .

 

في مرحلة ما بعد التسويات الأمنية التي أمَّنتها دول مجلس التعاون لنفسها عبر التحالف العسكري مع الولايات المتحدة بدأت مرحلة التقييم للمرحلة السابقة، إذ تمكنت النظرات المتباينة إلى موضوع الأمن بين دول المجلس بفعل عوامل جيوبوليتيكة حسّاسة جعلت العراق مثلاً في مرحلة ما يشكل تهديداً مباشراً لكل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت بينما لم تتحسس دول أخرى في المجلس من موضوع العراق بالشكل ذاته الذي تراه كل من الكويت والرياض اللتين تحدانه بحدود مباشرة، الأمر الذي اتضح بعد غزو العراق . لكن، وفي المرحلة التي أعقبت الاحتلال الأميركي لبغداد، بدت الأمور أكثر خطورة بعد انهيار ثقل عربي في المنطقة الشمالية المعتدلة من جنوب غرب القارة الآسيوية وتحوله إلى حالة استقطاب مفضوحة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وأيضاً تبدل الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد من طبقة حزبية تاريخية ساهمت (رغم علمانيتها المتطرفة) في إبقاء الحكم فيه سنياً لكنها في نفس الوقت ظلت طبقة مأمونة العواقب بسبب ضعفها وانكفائها بفعل حربي الخليج الأولى والثانية والحصار الدولي عليها إلى طبقة سياسية جديدة ومتحاصصة ليست لها علاقات دولية (سوى مع واشنطن ولندن) وإقليمية (سوى مع طهران) بالقدر الذي يؤمِّن للحاضنة الجغرافية مزيداً من الثقة والطمأنينة، وخصوصاً أنها طبقة بدأت في مزاحمة دول الخليج علاقاتها مع الولايات المتحدة التي سعت إلى مفاضلة طارئة مع وجود 11 في المئة من احتياطات النفط العالمية في جوف الأرض العراقية .

 

كما أن الحكومات المتعاقبة على حكم العراق بعد الاحتلال وبفعل ديمغرافية البلد كانت (ومازالت) حكومات تتمتع بعلاقات غائرة مع إيران إن لم تكن من الجنبة السياسية فبفعل الجنبة العقائدية التي بدأت تنشط بعد استقواء أطراف عراقية أخرى بدول إقليمية وكبرى في صراعها مع القوى الأخرى داخل النسيج السياسي الجديد، وهي كلها أمور بدأت دول الخليج تنظر إليها بمزيد من الترقب والحساسية وصلت إلى حد الخلاف مع الإدارة الأميركية على طبيعة المصالح القائمة وتحديد بوصلتها في المنطقة، لكن تسارع وتيرة الأحداث والضغط الأميركي المتصاعد دفع دول الخليج إلى أن تبدي تجاوباً في علاقاتها مع بغداد عبر حسابات دقيقة أبرزها رغبة دول مجلس التعاون في الإعلان عن المجلس الخليجي - العراقي بغية تطوير العلاقات بين الجانبين والحد من التدخلات الخارجية في الشئون العراقية، وأيضاً إعلان المملكة العربية السعودية رغبتها في فتح سفارة لها في بغداد .

 

التحدي الثاني هو موضوع الضفة الأخرى من الخليج حيث إيران، فقد تباينت مواقف دول المجلس حيالها منذ البداية أيضاً، فسلطنة عُمان حافظت على علاقاتها مع طهران وكذلك فعلت الإمارات وقطر والكويت والبحرين (حديثاً)، وبين كل تلك السياسات الانفتاحية على إيران والتي قامت بها دول الخليج كانت الأزمنة والحُقب بينها متباعدة إلى حدٍّ ما قد تصل إلى بحر عقد من الزمن، وربما كان إدراك الدول الست أن ما بين اشتراط الصداقة والعداوة بالمصالح، تَتَشَمّع علاقات الدول أو تَتَزَيّت، دفعت العلاقات باتجاه الوقوف بين متطلبات الجيرة الضامنة وأهمية العلاقة التاريخية مع الغرب، فهي وإن كان ناتجها المحلي يفوق السبع مئة وخمسة عشر مليار دولار ونصيب للفرد السنوي يفوق العشرين ألف دولار، فإنها وفي نهاية المطاف لا تزيد مساحتها الإجمالية على 2673 كيلومترا مربعا، وبأنفاس لا تتجاوز 35.1 مليون نسمة نصفهم دون سن العشرين، لذلك فهي تدرك حجم التحديات المحيطة بها، وضرورة السعي إلى إبعاد المنطقة عن أية توترات سياسية أو اقتصادية، وربما أرادت دول المجلس تعويض تعاونها المبني في الأغلب على أنظمة تصدر من أجل توثيق التعاون الاقتصادي والاجتماعي والأمني بتصفير مشكلات الإقليم والعلاقات المستقرة مع دول الجوار وخصوصاً إيران .

 

التحدي الثالث الذي بدا تحدياً خطيراً لدول الخليج هو المرتبط في جزء منه بالتنمية والبيئة، وخصوصا موضوع المياه، فمنطقة الخليج ومنذ انحسار العهد الجيولوجي الكورسي كانت ترتكز في استحصال المياه على الآبار السطحية التي بارت مع زيادة عدد السكان وقلة هطول الأمطار التي لا تزيد في جنوب شرق الإقليم على 600 مليمتر وفي الشمال الغربي على 100 مليمتر سنوياً، كما أن بطء تجدد مياه الخليج يشكل عائقاً آخر، فالموجة البحرية القادمة من بحر العرب والمحيط الهندي عبر مضيق هرمز لا تأخذ دورتها على كامل الخليج إلا بعد ثلاث سنوات تقريباً وهو ما يشكل عائقاً أمام مشروعات التحلية . لذلك فإن الدول الخليجية بحاجة اليوم إلى تأمين مصادر مياه تفي بمتطلبات الزيادة السكانية والطفرة الصناعية، ولهذا عمدت قطر إلى إبرام مشروع " الأنبوب الأخضر " لشراء المياه العذبة المتدفقة من نهر قارون وكذلك فعلت الكويت في العام 2005 لاستيراد أكثر من 760 مليون ليتر من المياه يومياً، وهو الخيار الأفضل والأقرب لدول الخليج التي يتعذّر عليها استيراد مياه لبنان أو سورية أو العراق بسبب تعقيدات السياسة والجغرافيا أيضاً .

 

إن دول الخليج تُدرك أن مقومات الاستقرار الأمني قد تستجلب من الخارج، لكن ذلك الاستيراد يبقى محاطاً بالمخاطر ومتأثراً بالظروف العالمية وبمستوى تأمين وصوله، أما الضمانة الأكيدة لتلك المقومات فهي أن تكون ضمن الحاضنة الجغرافية الطبيعية للدول، وفي ذلك يأتي التحدي الأكبر في القبول بهذا الخيار أو رفضه .

 

نَقُولُ آسِفيْن

 
 
كان الفلاسفة الرواقيّون يذهبون بيقين فاقع إلى أن أصول الكلمات تنبع من مُكوّنات الطبيعة، وهي بالتالي نظيرٌ مُتَمّم للموجودات المّادية . ولأن تأريخ الكلمات أو تأصيلها ومعرفة منبتها قد تفرّغ له المهتمون بتاريخ الألفاظ منذ القرن الخامس قبل الميلاد؛ فقد كفانا أولئك عن التأويلات العارضة المتعلقة بالجماعات المنقرضة . وفي أمرٍ موازٍ لعمل الرواقيين في اللغات؛ فقد تجشّم الكثيرون من حَفَظَة التاريخ في الغرب والشرق لأن يتتبعوا أصول الأحداث والوقائع، ويعصروا آخر قطرات الذاكرة الإنسانية ليضعوا ما حدث بسواده وبياضه في بطون الأسفار، فدوّن لنا كوتن ماذر وسليفن كيتز ودوبينز وجان لوي برلاندييه سجلاً بالجرائم التي فعلها الرجل الأبيض مع سُكّان العالم الجديد سواء في أستراليا أو في الأميركتين، فأدرك العالم أجمع كيف بُيِّضَت حضارة الغرب كما تُبَيَّض الأموال اليوم .

 

قبل أسابيع اعتذرت الحكومة الأسترالية عن «الإساءات» التي ارتكبتها الحكومات التي تعاقبت على الحكم الأسترالي بحق سكان البلاد الأصليين (الآبوريجينال) . حينها قال رئيس الحكومة كيفن راد أمام البرلمان إن حكومته تعتذر للقوانين والسياسات التي تسببت بـ «الأسى العميق والمعاناة والخسارة» لسُكّان أستراليا الأصليين وأنه وحكومته يأسفان لذلك ! . بطبيعة الحال فإنني لست في وارد المُرافعة عن 460 ألف آبوريجيناليّاً تَوَسّدوا القارة منذ ستين ألف سنة، لكنني أملك الحقّ في السؤال : كيف انتقى السيد راد كلمة «إساءات» وهو يعلم أنها لا تتناسب أبداً مع ما قام به المهووسون بالبارود ضد السُكّان الأصليين منذ العام 1788 ولغاية 1970، وبالتالي فهو كلام يحمل من الإساءة أكثر مما يحمل من الإحسان والإقرار بالذنب، لأنه بالتأكيد لا يُعوّض عن ظفر طفل سِيق لمذبح سياسة «الأجيال المسروقة» حين كان الأطفال يُنتزِعُون من أحضان أمهاتهم بدعوى الاندماج (واحد من بين كل ثلاثة انتزع من عائلته بمجموع 13 ألف طفل) كما أن على السيد راد ألا يُفاضل بين اعتذاره وبين رفض رئيس الحكومة الأسترالية السابق جون هوارد طيلة عقد من الزمن الاعتذار لأفراد الأجيال الضائعة، بل عليه أن يخجل لأنه لم يقل للعالم إن الفرق العُمري بين السُكّان الأصليين وغيرهم من الأستراليين البيض لا يزال متجاوزاً السبعة عشر عاماً في بحر جيل واحد، وعليه أن يخجل مرة ثانية لأنه لم يقل إن نصف مليون إنسان من مجموع سكان أستراليا الأصليين لا يزال نصيبهم هو الفقر وارتفاع معدل الوفيات والإدمان على المخدرات والكحول والبطالة، وأن أكثر من واحد من كل أربعة آبوريجيناليين مصابون إما بمرض السيلان أو الزهري، وعليه أن يخجل مرة ثالثة لأنه لم يقل إن الرجل الأبيض قد احتلّ جزيرة تسمانيا وأباد ثلثي أهلها إبان القرن التاسع عشر، ونَشَرَ الأمراض وضَمّخَ الأرض بالمجاعات ودنّس الأخلاق، عليه أن يخجل مرة رابعة لأنه لم يقل للعالم إن أصحاب الحضارة والمدنية قد استعملوا الأطفال ذوي الست سنين والنساء سُخرة لجرّ عربات النقل في الغابات والمناجم الخطيرة، والتعمّد في قتل شيوخ القبائل وحرقهم أمام مُريديهم، والتهجير القسري إلى الجانب الغربي، عليه أن يخجل مرة خامسة لأنه لم يقل للعالم إن السُكّان الأصليين لم تَزِد مطالباتهم المالية عن 870 مليون دولار تتقسّم على 460 ألف آبوريجينالياً (1891 دولاراً لكل فرد فقط !) في حين ألزَم مجلس الأمن الدولي ليبيا بأن تدفع عشرة ملايين دولار لكل ضحية من ضحايا طائرة بان أميركان المئتين وسبعين أي بمجموع نقدي تجاوز المليارين وسبعمئة مليون دولار. إن الاعتذار من دون التزام مادي أو أخلاقي هو ترف سياسي واستحلاب للقضية، وقبل ذلك كلّه استهجان بالضحايا، وإجبارهم على الإيمان بالنسيان أكثر من الذاكرة .

 

البَيْتَانِيُّونَ والدِّيغُولِيُّونَ وحِفْظُ الدَّوْلَةِ الخُمَيْنِيَّة

 
أعلن المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور بالجمهورية الإسلامية عباس علي كدخدائي السبت ما قبل الماضي التصديق على أهلية 300 مرشح آخر لخوض الدورة الثامنة للانتخابات البرلمانية التي ستُجرى في الرابع عشر من شهر مارس/ آذار المقبل . وإذا ما أضيف هذا العدد الجديد إلى الأرقام التي أعلن عنها المجلس سابقاً وهي 280 مرشحاً للانتخابات التشريعية فإن الأعداد المتوالية ستصبح 580 شخصاً قد أعيد النظر في أهليتهم بعد رفضها، وربما يُواصل مجلس صيانة الدستور في الأسابيع الثلاثة المتبقية إعادة النظر في ملفات المرشحين الذين رفضت أهليتهم في السابق .

 

بطبيعة الحال فإن هذه التطورات تأتي في أعقاب الجدل الواسع الذي أثير حول رفض أعداد كبيرة من المترشحين للانتخابات التشريعية، وعدد من قيادات النظام السياسي على خطّها بينهم الشيخ هاشمي رفسنجاني والشيخ مهدي كروبي . وقد يكون الملفت هنا أن أزمة الأهليّة الثانية قد تمايزت في إرهاصاتها عن الأزمة الأولى في أن أزمة العام 2004 كان يُجَلِّيها حِدّيّة البرزخ القائم آنذاك ما بين تنظيمات جبهة الثاني من خرداد وبين السائرين على خط الإمام والقائد، أما في أزمة العام 2008 فقد وَهَبَ الرئيس أحمدي نجاد من حيث لا يحتسب فرصة المناورة والاصطفاف للتنظيمات الخُردادية وتقريب أنويتها من مثيلاتها لدى قوى اليمين المحافظ التقليدي، بسبب خلاف الرئيس وتياره الموسوم باليمينية المتمردة على قوى اليمين التقليدي، لذا فليس غريباً أن يُنعت السياسيون المتشددون في زمن الخاتمية على أنهم معتدلون اليوم عندما يُفاضَلُون مع المنهج النجادي . وربما تضيع البوصلة لتصريحات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله السيد علي الخامنئي الداعي إلى برلمان قوي يتناسب وحجم التحديات، وتصريحات القائد العام للحرس الثوري الجنرال محمد علي جعفري الداعية لترشيح المبدئيين المنافحين عن حياض الثورة، وأيضاً شواغل اليمين المحافظ بشتى أطيافه للمرحلة المقبلة وطبيعة تحالفاته، وربما تُنسي اليمينيين التقليديين مشاكلهم المُرَحّلَة ركوب بعض متطرفي قوى الثاني من خرداد الموجة المحافظة في جنبتها التقليدية لتصبح الهزيمة بالنسبة إلى مسطرة اليمين هزيمتين، والنصر بالنسبة إلى متطرفي الخرداديين نَصريْن، وفي ذلك قد تتحول الخسارة إلى خسارة وطنية جامعة في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية المعقّدة المحيطة بالجمهورية الإسلامية .

 

الجبهات العَشْر

 

مثلما نالت إيران مكانة جيو/ سياسية متميّزة من خلال موقعها الاستراتيجي فإنها دفعت ضريبته أيضاً، فحدودها مع باكستان وأفغانستان وتركمانستان وبحر قزوين وأرمينيا وأذربيجان وتركيا والعراق والخليج وبحر العرب هي في أغلبها حدود لدول مهترئة، وهو ما يعني رخاوة الأمن المجاور وسهولة الالتواء عليه وتجييره، على رغم أنهم (أي الإيرانيين) قد شيّدوا لسياساتهم جدران صد وعزل للحدّ من تأثير مشكلات التهديدات الخارجية . ومن قُيّض له أن يُتابع السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي سيلحظ أن الولايات المتحدة الأميركية لم تواجه مُشكلة في التعاطي مع الأنظمة المُمَانِعَة لها ولسياستها المرتكزة على سوح النظام العالمي الجديد، سواء بالعقوبات الاقتصادية كما أعملته مع كوريا الشمالية، أو بالأنشطة السريّة الاستخباراتية كما حصل مع إيران، أو بالحلول العسكرية المباشرة كالذي جرى مع يوغوسلافيا وأفغانستان والعراق . وباعتبار أن منطقة الشرق الأوسط هي الزاوية الحادة في تحريك الأحداث السياسية في العالم بالإضافة إلى احتوائها على مخزون استراتيجي من النفط والغاز؛ فإن المعادلة أصبحت تعتمد على مدى قُرب دول المُمَانعة تلك من منطقة المركز، وصيرورة ذلك معياراً أساسياً في تقييم منسوب النفوذ والقيمة الدولية، على اعتبار أن الواجهة الجغرافية للحدود والمصالح المتداخلة تُشكّل الممر الطبيعي للسياسات الخارجية ومدى تعاطيها المباشر وغير المباشر مع الملفات الساخنة سواء تلك المتعلقة بموازين القوى أو تسجيل حضور في قوس الأزمات المحتدمة، لذا فقد بقيت طهران بالنسبة إلى واشنطن الرقم الصعب بين تلك الدول، فهي قريبة من دولاب الصراع ولها أوراق نوعية ومفاتيح حل للكثير من العقد، وليست دولة مترهّلة يكون الزمن كفيلاً بتحجيمها وتصييرها عالة على نفسها كلما تقادمت الأزمات بفعل التعسّر المُزمن لدورة الإنتاج السياسي والاقتصادي والثقافي فيها، فهو نظام استَمْلأ في سياسته، وأكْثَرَ من استجلاب الشرعية لكيانه طيلة عقود عمره الثلاثة، وتحويل المصدر المأزوم إلى قيمة أخرى من قِيَم الدورة الطبيعية للدولة، واستطاعوا تحييد العسكرتاريا الأميركية عبر رهابها باحتلال مضيق هرمز، وتوظيف الحدائق الخلفية لها وأهمها شمال العراق عبر توتير المنطقة الكردية وبالتالي تمزيق الحزام النفطي الآمن الذي يمر منه النفط المتدفق من ثلاث دول الأمر الذي يعني ارتفاع أسعار النفط إلى أرقام جنونية، لذا فلا عجب أن تغرق الإدارة الأميركية في مفاضلة غير منتهية بين الخيار العسكري وبين غيره من الخيارات الأخرى .

 

ساسة برتقاليون