
قد لا أرقب فيك غير ما أنت فيه الآن من أحوال الزمان التي إن جارت على صاحبها لم تدع له شيئاً إلاّ وألحقته بشنيع العار وسوء الخاتمة، لكنني رغبت في ترصيف ما لا يخرج عن أصل النُصح وحُسنه، والذي أخالك قابلاً له ومُسلّماً به كما أنت تُنادي صباح مساء باحترام الآخر والسماع منه حتى في التخالف، لذا فلا يضيق صدرك بي إن قلتُ ما يُغيضك أو يُعكّر صفوك وأنت في وثير الحال وأحسنه .
لن أُنازعك فكراً، أو أستهجن فيك خُلُقاً، لكن لتقبل مني اعتراضاً على سلوك خِلتَهُ صواباً وحقاً لكنه غلوٌ في خطأ ودعواه قُبحٌ حينما أردتَ لنفسك أن تمتطي جواد الاحتراب مع العلماء الروحانيين والمنافحين عن هذا الشعب من حيث مركز الظلم ورايته، فجززت من مالهم المنهوب وتقاسمته في غلاّت أطيانهم، وحذوت القذة بالقذة، فاستفحل الذنب وازدادت المأساة، حتى أني ألفيتهم وهم في خير عزيمة يتهامسون متسائلين، ما لفلانٍ يصنع في قومه صنائع المغول في بلاد الرافدين وعاصمة الخلافة، فإن كان غِلاً لديك فانزعه من قلبك فهذا أجدى إليك من ذاك، وإن كان شراً فاصرف الأمر عنه عسى الله أن يستبدله لك بالخير ويُرضيك، وإن كان حسداً فاعلم بأن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، فطب في سهمك واستعن برضا النفس، ولا تكن حفّاراً لمآثمٍ أنت عالمٌ بشرها، فيكون حالك كحال محلم بن جثامة في حرمـة المؤمنين فيما بينهم .
لن أقول غير ما عمّ البلاد، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد وطبق الأرض شرقاً وغرباً، ثم قبل ذاك ما ألِفَتْه النفس وأتت به السماء وخالقها من حُسن الفعل والقول، إن ما أنت فيه الآن يُذكّرني حسرة بما كُنتَ مُكِبّـاً عليه أيام دراستك الفقه والأصول وأمور الدّين، ولا أظنك الآن مُتأسياً على تِيْنَك الأيام لأني أجدك لا تزال مُتّشحاً بلباسها وعنوانها، لكنني أيضاً لا أجد ما يمتّ هذا بذاك غير التحوّل والانقلاب والتبدّل، وإن كان غير ذلك فلن أضع في أدني اليُمنى طيناً ولا عجيناً لكي لا أسمع قولك إن أردت البوح والحديث، ولحين ردّك أسألك بالله .. لِمَ جَنحتَ إلى حيث أنت الآن من التصاق بالسلطان تميل حيث تميل ريحه، تقبض منه أضغاث المال وتعيش بها رفاهاً غير معهود، فبأي مُسوّغٍ فعلتَ ذلك وأنت تعلم عِلم اليقين أن ماله غير معلوم، وأن أصله حق منهوب من لحوم الفقراء والمستضعفين من أهل هذا البلد، بل وإن أردت الإنصاف وتركت متابعة الأسلاف وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل لا ما اتفق عليه العوام جيلاً بعد جيل وقبيلاً بعد قبيل؛ فإن مقام الروحانية متين لا يستقيم ومهادنة الظالمين، وإنّ من يدّعي العلم والفضل وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس والمعرفة يتوجّب عليه مجانبة ذلك طمعاً في رأس الدين والسنام، واعلم هداك الله بأن ما لديك من مال هو كما كان لحلوان الكاهن ومهر البغي لن تهنئأ به أبداً، فلا تُزيّنه لنفسك فيشينك الله به، فالمال كالحرباء يتلوّن بلون قلب صاحبه .
لقد تماديت في نعت نفسك بما ليس فيك، لم تقلها صراحة يوماً لكن ما فاض به يراعك قد بيّن ذلك بجلاء، حتى أنك أظهرت العامة والخاصة على أنهم دونك في العلم واليقظة، فاتقي الله واعلم بأن التكبر على العباد من معاصي القلب، وأن المتكبرين يُحشرون يوم القيامة كأمثال الذرّ يطؤوهم الناس بأقدامهم، فتواضع للناس تكن كالنجم، وارجع لعهدك القديم فوالله لقد كنت في خير وعافية، وقدماك كانت على الجادة . ثم اعلم بأن تزيينك فعلك على أنه مكر في السياسة هو من فعل الشيطان، فلم يُعهد يوماً بأحد من المؤمنين أن ناصر ظالماً وشنّع بمظلوم باسم السياسة والدهاء فالحق بيّن والباطل بيّن، فلا تقعن في شراك الوهم فيصيبك غضب الله والمؤمنين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،
منشور في ملقى البحرين









27 اكتوبر, 2006 11:12 م