حشد بلا وجه

سنبقى نستبدلُ أوطاناً أكثرَ مما نستبدلُ أحذية

يــــــاقـــــــة قــاسـيــــــــــــة

 
 

ليس بالضرورة أن أقول لكم من هي هذه الفتاة، أو أن أصفها شبراً شبراً لأقول بأن يدها اليُمنى على مستوى الكتف أو أن مبسمها فضّي ولها بشرة شفافة يظهر منها لون عظامها بجمال مثير للقلق أو أن لها صوتاً راعداً  لا لا .. لن أدع أحداً منكم يصل لأشد أسرار بنائها خفية، ليس غِيْرَةً مني تجاهها بل لأن ما يهمني فقط هو أن يُلامِس جمرها قلوبكم لتعلموا جيداً بأن هناك من يعيش بيننا سعيداً فقط لمجرّد كونه حياً ..

 

عرفتها عندما رأتني أنتظر مسؤولاً كبيراً، بدت لي وكأنها عاثرة حظ، رغم أن مُحيّاها يشي بأنها وُلِدَت وخبزها تحت إبطها .. نَظَرَت لي بعيني باشق : هل من خدمة ؟ قلت وأنا مشدودٌ بها : أريد فلاناً .. حسناً، هلاّ انتظرت قليلاً .. وبعد أقل من نصف ساعة انتهى كل شيء بيني وبين من أتيتُ من أجله، ليس الأمر غريباً في ذلك لأن المهمّة اقتضت أن أُسَلِّمَه عهدة من أحد وأمضي إلى سبيلي .. لكن الذي لم ينتهي هو تلك الفتاة .. يا سبحان الله وكأن أمراً مُقَدَّراً قد حصل في لحظة لقاء هزمه تحايلٌ غريب لا أعلم ما هو لحد الآن، هي أيضاً شعرت بذلك، هكذا أخبرتني لاحقاً عندما أصبحنا أكثر قُرباً في وشيجة غريبة تحفظها عيدان الند .

  

قلت لها وأنا أتوسل كلمات البداية وأنظر إلى وجهها بتفرّس :

  

- قد أكون نزقاً معك عندما أقول لك بأنني لا أتذكر المرات التي استطعت فيها أن أختلس النظر لأطراف شعرك الكستنائي الساحر، إن ذلك يجعلني أفهم قدرتك على تركه مُنسدلاً حتى خصرك بشكل رهيب .

 

- أومَأَت لي على استحياء وقالت : من يعشق النساء لا يهنأ أبداً .

 

- أتمنى أن تفهميني جيداً .. أنا لست نذلاً ولا أعرف من أين تُؤكل أكتاف النساء لكنني أُحبّهم وأذوب في حساء تقاطيع وجوههم .. لا تقلقي يا أميرة، فأنت محظوظة أكثر مني .

 

في يوم مُمطر كئيب صادفتها وهي تمر أمامي بسرعة، لم يكن الأمر عادياً، قلت لها وأنا أدقق في خصرها وكاحليها المنتفخين : ألن نجلس مرة أخرى ؟

 

قالت : بلى .

 

قلت : متى .

 

قالت : غداً في مقهى مارتينا بعد الساعة السابعة مساءً، هكذا قالتها بسرعة البرق .

 

كنت أنظر إلى ساعتي أكثر من مرة .. وأنا أهمس مع نفسي : هل ستأتي هذه الشقيّة حقاً أم أنه وعد نسوي خبيث . اللعنة لقد جاءت .. كم أنا سيء الظّن بها .

 

- مرحباً سيدتي .. تفضلي ..

 

- هل تأخرت ؟

 

- لا .. فالموعد المضروب صحيحاً ..

 

- كنت أتحدث معها وفي يدي نُدبة أعبث بها، سألتها : هل أحببتِ رجلاً قلت، ردت :

 

- ولا زلت أحبه ..

 

- هل تزوجتما ؟

 

- نعم

 

- وماذا بعد ؟

 

- لقد مات !

 

يا لتعاسة حظّي، كم كُنت حالماً ومبهوراً بأن هكذا فتاة لا يُمكن إلاّ وأن تكون هاجعة في رحم حياة هادئة مُستقرة،  بادَرتُ بالإعتذار فوراً ودون مقدمات وأنا أتذكر مقولة من الأدب الأسباني تقول " الديمقراطية الكولومبية تنفع برئيس ميّت أكثر من انتفاعها برئيس هارب " !! كان الجو بيننا يتحسن إلى الأسوأ وهي تتذكر حبيبها المُسجّى منذ خمسة أعوام في قبره، قالت وهي غير قادرة عن حبس دمعٍ أخذ يحفر ممره بهدوء على وجنتيها الناصعتين : كان موته مُفاجئاً لم يستغرق أكثر من ساعة .. نعم لم يكن به أي عارض يُبشّر بسوء، آلام طارئة أسفل القلب اقتضت نقله إلى مُستشفى القلب وسط مدينة باريس بعد منتصف الليل، كان سكوته وهو على كُرسيّ السيارة مُقلقاً بالنسبة لي لكنه أيضاً كان يحمل تأويلات كثيرة، وعندما أُنزِلَ إلى المستشفى تبيّن للطاقم الطبي أنه بلا روح منذ أكثر من نصف ساعة، أي أن سكينته وهو جالس بجانبي لم تكن شيئاً غير الموت، لكنني لا زلت أتذكر جيداً أن وحيد حياتي لم يكن يبدو ميتاً أكثر مما كان عليه وهو حي . ذكّرني حديثها بما قاله الخليلي عن وفاة أمّه وهي في مهجرها " في حفرة غريبة الحجارة والرائحة رقدت أمي مُطبقة عينيها على حلم قبر في الوطن، أحمل إليه عظامها في كيس صغير وأترك لرملة الوادي النّديّة أن تلفّها برائحة الخزامي والبهار، وفي الأعياد يزور الأهل والجيران قبر أمي وتمرّ بها القوافل قاصدة قبر الحسين فتهتزّ أحجار قبرها وتُشارك بالحداء المُفعم بالشوق والمناديل السوداء " نعم قد يكون الحظ حليفاً لأحد فقط عندما يجد قصعة أرض ينام فيها إلى الأبد . كُنت جالساً قِبالتها لكن عيناي لم تكن لتلتقي بعينيها دون ترتيب، إلى أن سنحت لي الفرصة لأن أقول :

  

هل قرأت مأساة بشرية ؟ أجابت لا ! غريبة هي أطوارك يا أميرة،  قالت وهي تبتسم بالكاد : أكره شيئاً اسمه القراءة !! قلت إذن اسمعي مني ما يُواسيك سيدتي .. في أحد أيام النحس طوقت عصابة من المُجرمين حياً فقيراً .. لقد طوقوا رجالاً وأوقفوهم حذاء الجدار، والنساء والأطفال حذاء جدار آخر، أطلقوا النار على الرجال أولاً، النساء والأطفال ناحوا لأجل ذلك، فغُيِّرت الأمشاط من وأطلقت النار عليهم أيضاً . سألتني كيف حصل هذا ومتى .. قلت هذه صبرا وشاتيلا .. كُنت أتمنى أن تفهمي كيف أن المآسي قد تمّ توزيعها بلا عدل في هذه الدنيا، لا تحزني كثيراً على ما فقدت سيدتي .

 

ما يزيد الأمر إيلاماً في ذاكرتها البائسة التي تضوع منها رائحة العناد، أنها كانت زوجة مغناجاً تعيش حياة مخملية مهِيبة، إلى الحد الذي لم تكن لتعرف من أيامها الخوالي غير التبضّع المُترف، والجهل المطلق بعادات النساء في زير الطبخ والنفخ .. لذا فلم يكن سهلاً أن تُعيد إنتاج حياتها وفق متطلبات واقع لا يرحم، انكشاف غير عادي في منظومة الأمان الأسري، خمسة أولاد أكبرهم سناً دون الخامسة عشرة من العمر وأصغرهم دون سـن السادسة . إذاً فالأمر يبدو جدياً أكثر من اللازم، عاطفياً أكثر من اللازم، شخصياً أكثر من اللازم هكذا قال كيسينجر عن تحرير الكويت وهكذا أقول عنها أنا اليوم .

 

 

 ملّت الحديث معي وقرّرت مغادرة المكان .. إنتظري ..

 

ردت : لا أستطيع سنلتقي قريباً .. إلى اللقاء .

 

 

 



أضف تعليقا

maroonalras من البحرين
10 نوفمبر, 2006 05:13 ص
شقيقي العظيم، ياصاحب الحشد الكبير..
دعني أحييك على ما كتبت من أدب ذا بصمات منفلوطية، ذكرتني بالقصص التي كتبها أو اقتبسها وترجمها مصطفى لطفي المنفلوطي إلى العربية..
شخصيا افتقدت بعض التفاصيل، واعتقد أن صاحبنا سيقول لي غدا السبت: المرأة التي وضع حشد صورتها: ليست جميلة.
ألا توافقني ياحشد؟؟..
بوركت أناملك الخشنة.. وبسك من السنتدويش الأسطواني:)...
smbs من البحرين
13 نوفمبر, 2006 08:31 م
"- أومَأَت لي على استحياء وقالت : من يعشق النساء لا يهنأ أبداً ."

يبدوا أنها فطينة .. ما شاء الله عليها
mohammadalali من البحرين
13 نوفمبر, 2006 10:08 م
أيها المارون النادر .. حرّضتني على قراءة أسفار المنفلوطي التي وللأسف لم أقرأ شيئاً منها، أحييك مرة أخرى لكنني أستغرب مزاداتك بشأن صورة هذه الحسناء ..
mohammadalali من البحرين
13 نوفمبر, 2006 10:10 م
عزيزي أيها المجهول ..
أعتقد بأن إيماءتها لم تكن سوى رسالة من عقل فتاة سرنمة ..
manal من البحرين
23 نوفمبر, 2006 06:22 ص
لدي احتجاج .. كيف لك أن تكتب ما كتبت في هذه الياقة ؟ إنها وإن صحّت فإن ذلك يعني أنها باريس هلتون