حشد بلا وجه

سنبقى نستبدلُ أوطاناً أكثرَ مما نستبدلُ أحذية

دراسة

 

 

تُمثل مسألة تدفق الأخبار الخارجية في الصحافة العربية موضوعة جدّ مهمّة باعتبار أنها تُعطي مؤشرات معينة نستطيع من خلالها وضع اليد على المجسّات المختلفة فيما يتعلق بمصادر تلك الأخبار وأهدافها المُستَنتَجَة من خلال مُراقبة الصياغة المُسبّقة أو المؤدلجة لها .

 وبعيداً عن استجلاب الماضي والاستقواء به لتمرير مشاريع مُسمّية وإسقاطها على حاضرنا، تبقى الصحافة العربية رهينةً لعدد هائل من المعلومات أو الأخبار المتدفقة إليها من دول الشمال، كما تجب الإشارة أيضاً إلى أن الأخبار التي نقرأها أو نجدها من مصادر تلك الدول قد تكون في شكلها العام ذات توليفة بريئة تتوخى الحيادية والموضوعية، لكن بالرجوع إلى ماورائياتها يُفضي بنا إلى أن أصولها ذات بُنية شمالية مُؤدلجة أو ومُصدّرة من هناك بمسبقات فكرية في أحسن الأحوال، وهو ما يعني أن تلك المصادر من الوكالات والمنظمات وغيرها لا زالت هي المحتكر الأول للمعلومة والخبر، وهو احتكار مُتأصّل نتيجة الكفاءة التي تتمتع بها تلك الوكالات، الأمر الذي جعلها تستحصل تلك النوعية من الأخبار وبالتالي صيرورتها كجهة احتكارية، فليس سراً أن نعرف أن وكالة رويترز وحدها (مثلاً) كانت تمتلك أكثر من مائة وخمسين مراسلاً في أفغانستان وحدها إبّان الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان، وهم مُجهّزين بأهم وأحدث التقنيات الالكترونية التي يستطيعون من خلالها الوصول إلى المصدر وإلى المركز في أسرع وقت ممكن وبوسائل شتى، وكانوا يتقاضون رواتب فلكية تُقدر بربع مليون دولار سنوياً .

 

إن الدول العربية يجب عليها أن تعلم بأن الوصول إلى معادلة جديدة وتغيير أصول اللعبة القائمة يتطلب منها جهداً خُرافياً، يبدأ بزيادة المخصصات المالية ويمتد إلى تحديث إمكانيات الاتصال، وينتهي إلى تدريب الكوادر الإعلامية التي تستطيع أن تتعامل مع الأحداث بحرفية ومهنية، دون الوقوف بحيادية تجاه قضايا الأمّة والمجتمعات المغلوب على أمرها، لأن مخالفة ذلك يعني الانتصار الأعمى للشعار دون الأخذ بالمصالح العُليا التي تُكيّف دفة الاتجاهات، وفي ذلك تماثل واضح لما تقوم به وكالات الأنباء الغربية وبعض وسائل الإعلام .

 

كما ينبغي على الأنظمة العربية أن تُشجّع التعليم النوعي وتُسهل الوسائل والآليات للوصول إلى المعلومة بسهولة ويُسْر، وتُزيح كافة المعوقات أمام الإبداع، وأهمها القبضات الأمنية والشكّية، لأن ذلك من شأنه أن يُغيّب قدراً أكبر من الإبداع لدى الطبقة الوسطى في العالم العربي، الذي يُبدع علماؤه ومفكروه عندما تستقبلهم البيئات المُهيّأة التي تُشجعه وترفده بكل ما هو مُتاح وممكن .

 

ونحن في هذه الدراسة المقتضبة التي أجريناها على واحدة من الصحف المحلية (صحيفة الوسط) فيما يتعلق بتدفق المعلومات الخارجية، فقد توصلنا إلى العديد من النقاط الهامة والتي نعتبرها مُدخلات محورية لمعرفة اتجاهات الكثير من قضايا الإعلام، وكيفية تعاطي الصحافة المحلية مع المعلومة وطريقة توظيفها والنسبية الخاصة بمصداقيتها كخبر .

 

وفي هذا الإطار تسعى الدراسة إلى :

  1. رصد وتتبع الأخبار الواردة من عوالم مُحددة تم ذكرها في الجداول المُرقَّمة .
  2. رصد وتحديد مصادر الأنباء من قبيل الوكالات العالمية المعروفة (رويترز، أ.ف.ب .. إلخ) أو المراسل الخاص أو تلك التي لا تُذيّل بمصدر .
  3. تحديد معدلات التكرار لعدد من العناوين كالعلاقات الخارجية والسياسة الداخلية والصراع الدولي والأخبار الاقتصادية والعسكرية وغيرها من التصنيفات .

أما أهمية هذه الدراسة فهي تنبع من كونها تتخذ من مفهوم تدفق الأنباء الخارجية مدخلاً لمعرفة مصادر تلك المعلومات، وأي التصنيفات أو الجهات أو العوالم الأكثر قدرة على النفاذ إلى صحافتنا المحلية، كما أنها تساهم في بناء قاعدة بيانات عن موضوعة تدفق المعلومات الخارجية ، وبالتحديد في صحيفة الوسط، وتُغطّيها في فترة زمنية تمتد لأسبوع واحد يبدأ من 05 – 11 مايو 2005 .
 

 

مناقشــــة النتائــــج

 
جدول رقم (1)

العوالم التي تتدفق منها الأخبـــار

 

بيّنت النتائج المرصودة بأن الدول العربية هي أهم عالم تتدفق منه الأخبار في صحيفة الوسط، وهي نتيجة شبة حتمية لاعتبارات تتعلق بعوامل قومية وجغرافية وسوسيولوجية، باعتبار أن العالم العربي وقبل أن يكون متشاطئ فيما بينه هو أيضاً متصاهر دينياً وثقافياً ولغوياً وعُرفياً، وبالتالي فإن كونه أوّل العوالم التي تَرِدُ منها الأخبار هو أمر طبيعي وغير مُستغرب .

 

ثم بيّنت النتائج أن العالَم الأوربي جاء في المرتبة الثانية، وهو ما يُمكن ردّه إلى عوامل تاريخية وسياسية فيما يتعلق بالعلاقات بين القطر العربي والأوربي، خصوصاً وأن الدول الأوربية كانت هي الحاضن الاستعماري المباشر لمعظم الدول العربية قبل أن تحل محلها الولايات المتحدة الأمريكية بُعيد الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى عامل الهجرة العربية الواسعة نحو تلك البلدان لأغراض مختلفة منها ما هو سياسي واقتصادي وفي أحيان أخرى علمي وثقافي . وفي المرتبة الثالثة جاء العالَم الآسيوي، وهو ما يُمكن ردّه إلى مسألة في غاية الأهمية وهي أن القارة العجوز أو القارة القديمة كما تُسمى هي العُمق الاستراتيجي الحقيقي للعالم العربي، كما أن هذا العالَم الآسيوي هو الحاضن الجغرافي لعدد من الدول العربية وبه عَرَف العرب الحضارات والتجارة والإبحار، وبالتالي فإن النتيجة التي توصل إليها البحث تُفيد بأنها نتيجة بائسة وبها غُبن كبير، وتدفعنا جميعاً لأن نُعيد الكثير من سياساتنا الثقافية مع هذا العُمق المُهمل، خصوصاً وأن هذا العالَم قد أضحى بفضل الثقل الاقتصادي لليابان والنمور الآسيوية أرضاً خصبة للكثير من مشاريع السياسة والاقتصاد أما المفارقة التي تمّ رصدها تتلخص في تقارب النسبة بين عالمي أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية، حيث أن الفارق كان واحد بالمائة فقط لصالح أمريكا الشمالية، رغم أنها مُستحوذة على الكثير من المصادر الخبرية ووكالات الأنباء وينشط الاقتصاد العالمي من خلالها، ويُمكن ردّ ذلك إلى ما يُصطلح عليه الآن من عودة الأحزاب الاشتراكية الجديدة وطرحها كبديل للمشاريع الرأسمالية الليبرالية، وبالتالي فإن أمريكا الجنوبية يُمكنها أن تبدأ عمليات تسويق سياسي وإعلامي لها في المنطقة العربية باعتبار أن الأرضيات المُمَهّدة بدأت تنضج في طرح اسمها كبديل مُحتمل لبعض الخيارات التقليدية في مسألة مصادر الأنباء .

 

جدول رقم (2)

مصادر الأنباء الخارجية

 

 

  1. إن صحيفة الوسط اعتمدت بشكل كبير على عنونة بعض مصادر الأنباء بـ "وكالات" فقط من دون معرفة أي من الوكالات التي تتبنى الخبر، كما جاء في المرتبة الثانية أن الصحيفة اعتمدت بشكل مُركّز أيضاً على الأخبار بدون مصدر وفي ذلك مطب إعلامي يجب النظر إليه، لأن اعتماد صحيفة تُنعت بأنها موضوعية ومُستقلة بهكذا مصادر سيُؤثر بدون أدني شك على مسلكياتها الإعلامية وعلى مصداقيتها أمام الجمهور وأمام وسائل الإعلام الأخرى .

  1. اعتمدت الصحيفة على بعض الأخبار المتعددة المصدر، وبالتحديد على وكالة (د. ب. أ) التي نشطت أكثر فأكثر في موضوعات الرياضة والاقتصاد، وقد حازت المصادر المتعددة على المرتبة الثالثة من ضمن بقية الخيارات، فيما تفوقت وكالة (أ.ف.ب) على وكالة (رويترز) بفارق أربع نقاط، بينما لم تُحرز الوكالات العربية والأوربية الأخرى على أي نسبة، في حين حازت الوكالات المحلية على واحد بالمائة فقط . 
  2.  
  3. النتيجة النوعية التي بيّنها الجدول الثاني هي أن صحيفة الوسط تعتمد اعتماداً جيداً على مُراسليها في تلقي الأنباء والتقارير الإخبارية والتحليلات وهم موزعون في عدد من الدول المحورية والرئيسية في القارات الأربع آسيا وأفريقيا وأوربا وأمريكا الشمالية، ويُمكن ذكرهم كالتالي :

 

·         واشنطن : محمد دلبح (ويُغطي أيضاً أحداث كندا وأمريكا اللاتينية) .

·         فلسطين المحتلَّة : محمد أبو فياض .

·         دمشق : فايز سارة .

·         برلين : سمير صبح .

·         الرباط : المصطفى العسري (ويُغطي أحياناً أحدث دول المغرب العربي) .

·         بيروت : آمنة القرى .

·         عمَّان : حسين دعسة .

·         بغداد : عصام العامري .

·         الكويت : حسين عبد الرحمن .

 

 

جدول رقم (3)
 

مضامين الأنباء الخارجية

 

  1. إن الأخبار الخاصة بالسياسة الداخلية قد استحوذت على أعلى نسبة، وذلك مردّه إلى أن صحيفة الوسط هي في الأساس صحيفة تُعنى بالشأن المحلي، وتتناول أحداث الداخل كأولوية مهمّة، خصوصاً وأنها كمشروع إعلامي برز في فترة حسّاسة جداً من تاريخ البحرين وبالتحديد مع مطلع العام 2002 وهي فترة تميّزت إلى حد ما بانفراجات سياسية وأمنية وحتى اقتصادية فتحت المجال أمام الطبقة الوسطى لأن تلعب دوراً في صياغة بعض من أدوات اللعبة الداخلية بمساحة قد تكون غير متوافق على حجمها بين الحكومة والنخب السياسية وقوى المجتمع المدني . 
  2.  
  3. إن الأخبار الاقتصادية حلّت في المرتبة الثانية بعد الأخبار المحلية وفي ذلك نظر يجب الالتفات إليه، وهو أن صحيفة الوسط راهنت بشكل كبير على بعض المشاريع الاقتصادية الرسمية، وبالتالي فهي تهتم كثيراً بالأخبار الاقتصادية وتنشر ما يتم طرحه من مُسميات وورش عمل تخص تلك المشاريع، أضف إلى ذلك فإن عدد كبير من أعضاء مجلس إدارة صحيفة الوسط هم من رجال الأعمال والمستثمرين الكبار في المملكة وهو ما يُفسر اندفاع الصحيفة لأن تُراعي كثيراً الجوانب الاقتصادية .

  1. المفارقة في النتيجة الثالثة تتمثل في أن شؤون الرياضة حازت على ذات النسبة التي حازت عليها الشؤون الاقتصادية، وهو باعتقادي خطأ كان من الأجدى بالصحيفة أن تتفاداه، باعتبار أن جريدة الوسط ليست جريدة متخصصة في مجال .

قد يكون من اللازم التنويه هنا إلى أن هذه المراقبة الزمنية لحركة تدفق المعلومات الخارجية وتصنيفها، وما رشَحَ عنها من نتائج يُمكن أن تكون مرهونة بشكل مباشر وغير مباشر بالحركة السياسية والاقتصادية الإقليمية منها والدولية، ولمسيرة الأحداث الساخنة التي قد تنشط في أي مكان من العالم طبقاً لمفاعيل الأوضاع الداخلية والخارجية ومدى ارتباطها بالمؤثرات العالمية .

 

 

 



أضف تعليقا

سارة مطر من المملكة العربية السعودية
01 يناير, 2007 12:41 م
محمد ..
الموضوع طويل، ذكرني بالبحوث التي عليّ أن انجزها للجامعة..!!
قرأت نص المقالة.. وشعرت بالضجر.. لأني تذكرت مهامي الدراسية..!!
هل من حل لتغير مود أو مزاج مدونتك أيها الصديق!!
محمد عبد الله محمد من البحرين
01 يناير, 2007 01:16 م
هههههه .. والله إنتي فلتة يا ساروا .. عن صدق المدونة تحتاج إلى تغيير في النمط .. بس الإشكال أنه يتوجّب عليّ أن أخصّص لها وقتاً أكبر .. ستتغير أكيد ..

محمد
سارة مطر من المملكة العربية السعودية
01 يناير, 2007 11:20 م
محمد منذ صبيحة العيد وأنا مزاجي وطني بل مفرط بحب الوطن والعروبة "الماسخة" لتضع لها أي مسمى..أكتب لك وأنا أستمع لصوت غسان صليبيا "وطني بيعرفني".. أحببت هذه الأغنية مصورة ربما أكثر منها فقط صوتاً..ربما أحببت أسامة الرحباني وهو جالس مغمض العينين يضع أصابعه على البيانو فيعزف على أوتار قلبي..
وطني بيعرفني وأنا بعرف وطني ..
هو أغتنى بيّ.. وأنا بوطني غني..
قلب يدق .. بم ..بم ..بم هل تسمعه يامحمد..مسائي مذهل..وعدت إلى مدونتك لربما أجدك بالمصادفة.. وأجلس بعض الوقت أمتطي فرحة عيد ميلاد الصديقة التي حضرنا حفلها هذا المساء..والجرسون بذكائه المفرط أحضر قالب الكعك لي..لماذا أبدو دائماً بالصورة..ذهبت مع صديقتي لجامعتها AMAوهناك المسئول عن ترتيب الجدول الدراسي..يشرح لصديقتي وينظر إلي!! تمرض أختي فيعالجها الدكتور ويكتب لي وصفة العلاج..!!
هل أنا "خارطة" الكرة الأرضية أم ماذا؟
أما فيما يتعلق بمدونتك..عليك بتغيير البحوث الجامعية التي تكتبها هنا..لتكون جزءً آخر لمحمد عبدالله .. ولو أني أشك أنك قادر على ذلك!!
ليس لإنكفاء شجاعتك..ولكن ثمة أشياء ومحاذير تمنعك من البوح كما ينبغى لمحمد أن يفعل..!!
ولو فعلتها لأعتزل كل المدونون وجلسوا في بيوتهم!!
هل تريد أ اغني لك.. وطني بيعرفني..وأنا بعرف وطني!!
أغنيها من كل قبلي..من عيد أمضيتها
أتعلم أن امسح دموعي دون مساعدة !!
بخصوص الفيلم..وجدت رفيقاً حزيناً مثلي سيشاركني متعة المشاهدة!!
محمد عبد الله محمد من البحرين
02 يناير, 2007 10:15 ص
كل كلمة أقرأها لغارسيا اليوم تزيدني يقيناً بأن على جميع الكتاب والروائيين أن يعتزلوا .. إنه حقيقة أدبية غير عادية بالمطلق، لذا فإنني تورّعت قبل غيري لأذرع في ذلك اليقين وأعتزل كل شيء، فلا تلوميني إن وجدت غير ما تريدين في مدونتي التي من المُحتّم أنها ستمخر في غير اتجاهها اليوم حالما يهوِي ذلك اليقين، الذي لا أعلم متى سيحين موعده ..

أَلَم أقل لك بأنك ستجدين أحداً يُرافقك لأن الصديق اليوم يُمكن الحصول عليه بسعر أقرب إلى الإحسان !!! ..

تحياتي ،،

محمد
سارة مطر من المملكة العربية السعودية
02 يناير, 2007 01:06 م
محمد..
منذ عام ونصف العام.. توقفت عن لوم الآخرين.. لم أعد ألوم أحداً.. حتى والدي توقفت عن لومه منذ أن تعريت مرة بالكتابة عنه!!
حتى قلبي حين يضعف أو يقسى لم أعد أسائله كعادتي مع كل الأشياء الصغيرة.. لن ألومك فأنت صديقي البحريني الذي أحب..وأنا لا ألوم من أحببتهم وإن لم يحبوني!
أحببت كلمة قرأتها في كتاب "إبراهيم وأزهار القرآن" وأشاهد الآن الرواية مصورة عبر فيلم سينمائي، حينما قال السيد العربي إبراهيم لمومو اليهودي.
مسألة الحب تخصك وحدك.. تخص قلبك فلا تنتظر من أحببته أن يبادلك مشاعرك.. فلتعش انت هذه الحالة.. !!