
الأميركيون في كل عام يحتفلون بزهاء 21 عيداً، كاحتفالهم بميلاد مارتن لوثر كينغ وعيد الحب والرئيس والقيامة والأم وضحايا الحروب والأب ورأس السنة العبرية وكولمبوس وهالويين وهانكه وكوانزاه وغيرها من الأعياد، وربما كان أشهرها عيد الشُكر الذي يُعبّرون فيه عن امتنانهم لله عزّ وجل على تسخيره " ساموسيت وسكوانتو " وهما من الهنود الحُمر لإنقاذ المهاجرين القادمين من إنجلترا إلى السواحل الشرقية لولاية مساتشوستس في الخميس الأخير من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 1621م، إذ كان الجو يتّسم بالبرد القارس المصحوب بعواصفَ ثلجية . وربما طغى الجانب الاحتفالي على هذا العيد كطهي الديك الرومي وتبادل التهاني للعوائل الأميركية، إلاّ أنه يكتنز دلالات تاريخية عدة يُمكن الوقوف عندها بتأنٍ . فالضيوف الجُدد القادمون ربما أحسنوا ردّ الجميل لمُنقذيهم خلال مأدبة دسمة أعدّوها لهم بعد عملية الإنقاذ إلاّ أنهم تمالأوا عليهم لاحقاً ليوقعوا بهم مذبحةً تاريخيةً راح ضحيتها 112 مليون إنسان منع من ظهور بخارها النتن بُعد الأرض الجديدة واستحالة التواصل بين العالم القديم والعالم الجديد وعدم وجود أطراف غير الجلاد والضحية على ذلك المتردّم .
وعلى رغم أن تلك الوقيعة المُرّة بحق شعوب الأرض الأصلية قد تحيّنت مع ترف الاستقواء بالتراث المسيحي برفع الفرنسيين شعار " إن الله يُحقّق عمله بواسطة الفرنسيين " وتنشّد الألمان بأن " الله معنا " وهكذا دواليك، غير أن الأهم من كل ذلك أنها كانت في الحقبة عينها التي ازدهرت فيها البرجوازية التجارية والصناعية في أوروبا، وأيضاً عودة آلهة القوة ومسلكيات زيوس وجوبيتر وإعادة إنتاج الفيدا المتوحّشة؛ لذلك فإن إرصاهات تلك الحقبة قد ظهرت على سمات الضيوف الجُدد القادمين من وراء الأطلنطي، وبالتالي فإن عيد الشُكر لم يتصيّر إلى مناسبة دينية بقدر ما هو مناسبة قومية علمانية بحتة على رغم مُحرّكاته الدينية الأولى .
إن الخلاصة المُسْتَلّة هنا هي سؤال كبير ولكنه مُلِحٌّ وضروري : لماذا تنعكف لوحة سونغ بالنسبة إلى الأميركيين من عيش الواحد مع الجميع إلى عيش الجميع مع الواحد فتلزم العالم بشرقه وغربه بالتسليم لها وإلاّ فالكلّ عدو مُطلق ؟ كيف تسمح الولايات المتحدة بأن تتحكّم في التاريخ فتُمجّد حقباً فيه وتُجرّم أخرى لا لشيء سوى أن حاضر الفُحش وضرائب البراغماتية يُحتّم ذلك ؟ أليس من العيب أن يُحاول الأميركان (أو تحديداً اليمينيين المسيحيين) أن يفرضوا على الفلسطينيين أن يعترفوا بواقع اليوم ويتركوا خلفهم " دَرْوَشَتَهم " لينسوا أرضهم وتاريخهم ودماءهم، وهم (أي : الضيوف الجدد) دَرَجوا ومنذ أن وطأت أرجلهم الأميركيتين على سلخ فروة رأس الهنود الحُمر، ونصب الرؤوس المقطوعة لهنود اللاكوتا على عيدان ضخمة . ليس صحيحاً أن تبتهج كلّ عام وتحت قدميك جماجمُ تُحملق من دون ابتسامة .









06 ديسمبر, 2007 10:26 م