
وكان هذا التمدد الصلاحياتي لسلطة المحاكاة في التعيين والإرغام يتطاوع في طوله وعرضه مع قوة الخمينية المتدفقة من أعلى النموذج حتى قاعه الملتهب والتي يبدو أنها تجاوزت عقد الكلاسيك الشيعي في تمرد صريح على الأنظمة والرؤى المُحنّطة القائمة على الاحتياط والعبادات المُجرّدة " ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخف بحكم اللَّه وعلينا ردَّ، والرَّادُّ علينا الرادٌّ على اللَّه وهو على حدّ الشرك باللَّه " الإمام الصادق (ع) .
لقد تمّ استحضار فكرة أن الولي الفقيه وبحسب الفقه السياسي كما يرى المرجع الديني الشيخ ناصر مكارم الشيرازي " غير مقيد بالأخذ بالأحكام الأولية والثّانوية، بل له حكم ولائي مستقل، في عرض الأحكام الأولية والثانوية ناشئ من الخلط بين الأحكام التشريعية والأحكام الإجرائية، كما أن الفقه السياسي لا يقول إن الحاكم ليس له حكم ولائي بل هو ثابت له، ولكنه ليس في عرضهما بل في طولهما، فمثلاً أن الأحكام الأولية كوجوب الصلاة والزكاة والجهاد، والثّانوية كنفي الضرر والحرج ولزوم حفظ النظام، أحكام كلية إلهية، وقوانين عامّة شرعية، أمّا الحكم الولائي فهو حكم جزئي من ناحية الحاكم، يحصل من تطبيق القوانين الكلية الإلهية على مصاديقها الجزئية " .
في الفترة التي أعقبت وفاة الإمام الخميني في يونيو/ حزيران من العام 1989 ومجيء آية الله السيد علي خامنئي إلى مرشدية الثورة بدأت مرحلة جديدة من مراحل تثبيت السلطة وفق أجندة أكثر حذراً تمثّلت في تكريس البعد العملي الذي مثّله الإمام طيلة عشر سنوات، كما تمّ الاعتماد في ذلك على مراجع الدين الكبار في إيران كمحمد رضا الكلبيكاني وشهاب الدين المرعشي النجفي ومحمد علي الأراكي الذين يُشكّلون جزءاً مهماً من التشريبات الخاصة بشرعية السلطة منذ قيام الثورة الإسلامية، لذلك فقد استقامت محاكاة السلطة الدينية من قبل المرشد الجديد للثورة من دون إعاقات جدية أو تحديات حقيقية. في المقابل دشّن آية الله خامنئي مشروعه بالعمل على أكثر من اتجاه، الأول عبر الاحتفاظ بالصور المعنوية والدينية المرتبطة بشئون مرجعية واجب المصدر، والثاني عبر تجميع النفوذ الخاص بالقيادة ضمن فضاء السلطة العام والثالث العمل بأكثر من متغير عمودي أهمها إطلاق مشروع إصلاحي يستهدف تشذيب العمل الحوزوي لمدينتي قم ومشهد المُقدستين وباقي الحوزات الأخرى في المحافظات الإيرانية عبر تشجيع تدريس العلوم الإنسانية الحديثة، ونظّم من خلال جماعة المدرسين طرق استخدام الأدوات الكلاسيكية فنشأت لجان عقد الندوات والمناظرات العقائدية ومراكز إدارة المعاملات المالية في الخُمس والنذور والهبات، وهي إجراءات لم تكن لتُتخذ دون وجود ضوء أخضر من مراجع الدين الكبار بتلازم مع وجود إرادة تنفيذية قادرة على فرض خيارات جديدة... أيضاً قام المرشد بعملية إنتاج جيل ثاني يخضع لأدبيات مُحددة ومطمئنة وإيصاله لمواقع متقدمة في السلطة بغية تنويع روافد القوة والنفوذ، وهي الأصل في علاقة الأحزاب ببعضها وعلاقتها أيضاً مع مراكز القوى الأخرى في النظام، وفي الجانب الآخر وعلى المستوى الخارجي سعى إلى تدويل بعض المفاهيم الدينية الرتيبة وتبنّيها من جديد، فكان المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية الذي ينشط كأي حكومة إيرانية، كما أنه قام بتأسيس مراكز إسلامية في لندن وباريس وبلجيكا وجنوب شرق آسيا ووسط إفريقيا تُدار من قبل شخصيات ثقافية دينية تُتقن لغة العصر .
في النهاية، يبدو أن القدرة على تزييت ركنية محاكاة الدين في إيران هي الآن ضمن الآليات الموجبة لبقائها وديمومة عملها، وبقائها كأحد وسائل الشرعية .










17 مارس, 2007 07:09 م