
على المستوى الإثني والقومي أُشرِكَت الأقليات المتحاصصة على الأرض في مشروع الدولة القائم فأعطِيَ الآذريون حقاً في النظام السياسي وكذلك الفرس والأتراك والبلوش والأكراد والعرب، بل وحتى اللور التي لا تُشكّل مفصلاً حقيقياً ضمن الخريطة القومية والإثنية قد أعطيت نصيبها (الجنرال محسن رضائي مثالاً). بعد انتصار الثورة مباشرة وبروز هاجس موقف الجيش من السلطة أُعلِن في 21 إبريل/ نيسان 1979عن تشكيل قوات حرس الثورة الإسلامية كقوة عسكرية رديفة للجيش النظامي الذي أُضعِف بسبب تسريح قيادته العليا، كذلك فقد أُبقِي على اللجان الثورية (لجان تقوم بحفظ الأمن وبأنشطة إعلامية) مُستقلّة عن الحكومة والجيش والشرطة وأنيطت مسئولية الإشراف عليها إلى آية الله الشيخ مهدوي كني (عضو مجلس الخبراء حالياً) وكانت هذه المساعي هي بداية بروز ظاهرة الصفوة السياسية والعسكرية في النظام السياسي الجديد، والهادفة إلى تحقيق أمرين مزدوجين الأول يتعلق بإبقاء جذوة الثورة والدفاع عنها، والثاني إعطاء الدولة مساحة للتحرك لتطبيق الأطر الدستورية والتراتبية بعد المواجهات التي تمّت ما بين الإسلاميين الثوريين ومنظمات يسارية، ثمّ تجلّى الأمر أكثر بعد إعلان العراق الحرب على إيران في 22 سبتمبر/أيلول من العام 1980، إذ بدأت حركة تغيير الصفوة القديمة بصورة ثورية واستبدالها بصفوة جديدة تأخذ مجريً أكثر راديكالية من السابق وخصوصاً أن بعض الحركات الإيرانية كمنظمة بيكار قد أعلنت عن ضرورة تحويل هذه الحرب إلى حرب أهلية لإسقاط النظام الإسلامي، فكان ذلك غطاءً شرعياً جاهزاً لتعرية مواقف سياسية لبعض الأطراف ومدخلاً سهلاً لتقديم اعتماد شخصيات إسلامية خالصة كبديل عنها، فأُزيحت حكومة بني صدر واستطاع الحزب الجمهوري واللجان الثورية والباسدران من تحقيق نصرٍ ساحق في الصراع الدائر، وتمّ تثبيت ركائز الدولة بمشروع سياسي تحمله صفوة منتقاة بعناية. كذلك فقد قام الإمام الخميني بإشراك رجال البازار الإيراني (يُسيطر على سبعين في المئة من التجارة الداخلية) في السلطة الإجرائية وفي المناصب الاستشارية لتأمين وجود قوة اقتصادية احتياطية للدولة والثورة وخصوصاً أن البازار في الذاكرة الإيرانية يُمثّل جانباً مهماً من الشراكة السياسية والدينية منذ أيام الصفويين، وشاركوا بفعالية خلال الحركة الدستورية عندما قاموا بمظاهرات إلى جانب رجال الدين في جامع الشاه عبد العظيم جنوب العاصمة (طهران) في العام 1906، وقد نتج عن ذلك أن بقي النسيج الداخلي للبازار كالرأسماليين الصناعيين والزراعيين والتجاريين ورأسماليي الخدمات مسانداً للثورة ومفاعيلها في الداخل وخصوصاً أيام الحرب. وبعد أن أمّن نظام ما بعد الثورة علاقته الجيدة مع البازار فقد سارع إلى إنشاء مجموعات اقتصادية مُستقلّة للقيام بأدوار ترويجية وإنسانية على المستوى الداخلي، فتأسّست منظمة جهاد سازندكي (جهاد البناء التي تحوّلت لاحقاً إلى وزارة) في يونيو/ حزيران 1979 وهي المعنية بتوزيع آلاف الأطنان من البذور والأسمدة وأجهزة مكافحة الآفات الزراعية للفلاحين في الأرياف وحفر القنوات وتعبيد الطرق وغيرها من الأنشطة، كما تأسّست مؤسسة المستضعفين التي استولت على كل ممتلكات الشاه محمد رضا بهلوي من شركات وقصور وفنادق ودور سينما وبساتين ومصانع وغيرها، إذ يتم استثمار تلك الأصول لصالح العوائل المُعدمة، كما أنشأت مؤسسة الشهيد التي تُعنى بأُسَر من قتلوا في مواجهات ما قبل انتصار الثورة وأيضاً في جبهات القتال أيام الحرب مع العراق والمعوّقين منهم، ثم تأسّست لجنة الإمام الخميني للإغاثة التي تُعيل أكثر من أربعة ملايين فرد في عموم إيران، كما تشكّلت مؤسسة 15 خرداد ومؤسسة 12 فروردين الخيرية وهي جميعها منظمات استطاعت أن تحشد تأييداً خرافياً للسلطة للثورية وأمّنت له متاريس فاعلة على المستوى الداخلي. إن الحرص الشديد من قبل القيادة السياسية الإيرانية على إبقاء موضوع الدعم الشعبي ساخناً لا يرتبط فقط بنشاطات دعائية، بل إن ذلك الحرص نابع من حاجة السلطة الدينية إلى المقبولية الشعبية كتفويض من «الأمّة» أو ما يُطلق عليه في إيران اليوم بالسيادة الدينية الشعبية، وهو حرص قد يظهر بشكل أزيد خلال إجراء الانتخابات والاستفتاءات وفي اللقاءات الجماهيرية.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية