
وعلى رغم تشكيل حكومة الرئيس أحمدي نجاد لاثنتين وخمسين وحدة من قوات حرس الحدود منتشرة على الحدود الشرقية والغربية الإيرانية من أجل التصدّي لعصابات تهريب المخدرات والأسلحة مازالت مشكلة المخدرات وتهريبها وتعاطيها تشكّل أهم الملفات التي تقلق هاجس الأمن القومي الإيراني والمنظمات الدينية والاجتماعية على مدى الثلاثين سنة الماضية. ومن يريد أن يستوعب بتجرد حجم الخطر الذي تمثله تجارة المخدرات وتعاطيها في إيران فعليه أن يتتبع التصريحات التي يُدلي بها المسئولون الإيرانيون والدوليون والوقائع المتلاحقة في هذا الصدد، فألفا مهمة قتالية منذ بداية العام (الإيراني) الجاري قد لا تكفي سوى إلى حرق سبعين ألف كيلوغرام من المخدرات! بل وحتى المتابعة المعلوماتية والعملياتية وعمليات المراقبة والتصدّي للموزعين بالمفرد والجملة لم تحقق سوى الإجهاز على 1131 عصابة تهريب للمخدرات وتوزيعها ما سجل زيادة وقدرها 19 في المئة مقارنة بالفترة المماثلة للعام الماضي، وضبط 418 طناً من المخدرات واعتقال 12 ألفاً و644 مهرباً، ومقتل 61 وإصابة 101 من منتسبي قوى الأمن الداخلي خلال هذه العمليات التي تُستخدم فيها الأسلحة الثقيلة والخفيفة والمروحيات. وإذا ما أريد تتبع الكثير من العمليات والإشارات الاستخباراتية والأمنية المعلنة وغير المعلنة، فإن الأمر يستدعي ذكر عملية بيرجند بمنطقة آبكرم الصحراوية العامة في سرخكوه (320 كيلوغراماً من الأفيون) وعملية صحراء كرمان (1665 كيلوغراماً من الأفيون) وغيرها من العمليات الضخمة التي جرت وبالتحديد بعيد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية . لذلك فإن الراصد لمثل هذه العمليات ولحجمها المهول يُدرك أن الأمر في مجمله لا يعدو سوى كونه داخلاً في أتون حرب حقيقية بين خصمين وندّين، وليس على اعتبارها حوادث منفصلة أو متراكمة بشكل طبيعي خلقتها ظروف من هنا وهناك، لذا فإن مشكلة المخدرات في الجمهورية الإسلامية قد تُقرأ من خلال متغيرين اثنين :
الأول : الطبيعة الجغرافية ذات القيمة المزدوجة لإيران التي تعاني من تجارة المخدرات القادمة من حدودها الغربية عن طريق عصابات تهريب من قبائل أفغانية وباكستانية وبلوشية مسلحة تسليحاً ثقيلاً وتنشط على طول الحدود الممتدة بطول 850 كم مربعاً، إذ إن خريطة الإنتاج والتوزيع مقسّمة على محورين :
(1) الإنتاج وقلاعه في المثلث الذهبي الذي يتألف من لاغوس وتايلند وكمبوديا ثم المنطقة التي اشتهرت بالهلال الذهبي في باكستان وأفغانستان .
(2) يتركز في التوزيع؛ أي نقل الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك وأسواقه الرئيسية، وهي : الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبا الغربية التي يصلها 90 في المئة من المواد المخدرة، علماً بأن أميركا وحدها تستهلك ما يربو على الثمانين في المئة من الإنتاج العالمي من الكوكايين ويأتيها عبر كمبوديا. وفي أفغانستان تدرّج إنتاج الترياك والأفيون والهيروين ثلاث مرات منذ العام 1979 و1982 و1981 حين كان منتجو المخدرات يستولون على ستين في المئة من سوق الهيروين في غرب أوروبا والولايات المتحدة، إلى أن وصل إنتاج الأفيون في العام 2002 إلى أكثر من 3400 طن، وعلى رغم وجود القوات الأميركية وحلف الناتو هناك فإن نسبة زراعة وتجارة الأفيون زادت بنسب مضاعفة في العام الجاري، فإنتاج المخدرات خلال فترة حكم طالبان بحسب إحصاءات الأمم المتحدة كان 200 طن سنوياً، إلا أنه وبعد الاحتلال الأنغلوسكسوني وصل إلى ستة آلاف ومئتي طن، وسيصل في العام الجاري إلى نحو سبعة آلاف طن، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، بل إن بعض المقاعد النيابية في البرلمان الأفغاني يستحوذ عليها تجّار مخدرات !
الثاني : تشير الأرقام المؤكّدة إلى أن إيران فقدت ومنذ انتصار الثورة الإسلامية ولغاية الآن أكثر من 3600 شخص من قواتها الأمنية، وتعرض 12 ألفاً آخرين لإعاقات مختلفة، وأنفقت خلال الأعوام الأخيرة زهاء 600 مليون دولار لتزويد الحدود بالأجهزة المختلفة وتعزيز القوات العسكرية، لذلك فإن النظام السياسي الإيراني يُدرك بأن حربه الضروس ضد المخدرات هي جزء مهم من طبيعة الحرب الهجومية غير المباشرة التي تديرها واشنطن لزعزعة الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي الإيراني، بل إنها وبحسب تعبير عبد الله الحسن تزيد على فاعلية النفط في الوظيفة القيمية والفلسفية السلبية المتمثلة في تدمير العامل الأساسي في رزمة عوامل القوة والنهوض لدى الشعوب، لذلك فإن العلاقة المضطردة ما بين وجود القوات الأميركية وزيادة إنتاج الأفيون والهيروين في أفغانستان يُعطي عدة مؤشرات عن وجود قنوات مشبوهة في ذلك المضمار، ولأن الكوارث الاجتماعية للإدمان هي من أهم المداخل التي تستنزف المجتمع وطاقاته وقدراً كبيراً من المال العام الذي بدلاً من أن يُسخّر للتنمية يتم توزيعه لعلاج أمراض مزمنة، فإن الأميركيين يُصرّون على ذلك كوسيلة نوعية في إدارة حدة الصراع ومنسوبه، وخصوصاً أنهم وخلال حربهم الباردة مع الاتحاد السوفياتي دأبت إحدى أنظمة العالم الثالث على التعاون مع عصابات المخدرات في كولومبيا لإدمان أكبر عدد ممكن من الجيش الأميركي، حتى خرج الرئيس جيمي كارتر في تصريح صحافي قال فيه: إن كل سبعة جنود أميركيين بينهم ستة مدمنين! على رغم أن الوقائع المترابطة تشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية وطبقاً لأجندة نيوليبرالية بدأت فرض اقتصاد مترهل وسريع، لكنه مربح عن طريق المضاربات المالية، من باب أن كل ما هو نافع لأصحابه قانوني بالضرورة! وأن تجارة المخدرات كانت ومنذ الأربعينات والخمسينات (على المستوى الاستخباراتي) خطاً حيوياً لتسوية الكثير من الملفات في أوروبا وجنوب شرق آسيا كفيتنام، ولتراكم ثروات طائلة لأفراد وشركات متنفذة داخل الولايات المتحدة الأميركية .
إيران التي أكد مساعد الأمين العام للأمم المتحدة ومسئول مكتب مكافحة المخدرات والجرائم انطونيو ماريا كاستا في نوفمبر الماضي أن شرطتها لمكافحه المخدرات تعتبر الأفضل من بين الشرطة في العالم، تواجه جريمة دولية حقيقية بدأت تسبب لها مشكلات اجتماعية وأمنية غائرة اضطرتها أخيراً إلى إرجاع عشرات الآلاف من اللاجئين الأفغان إلى داخل الحدود الأفغانية، بعد أن نشط عدد منهم في عمليات التهريب الممنهجة كونها الممر الرئيسي للأسواق العالمية الغربية، كما أن نسبة الإدمان بدأت تصل إلى نسب مخيفة تصاحبها إصابات بفايروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) إذا ما عُرف أن أكثر من نصف الشعب الإيراني هم شباب، وبالتالي فهم الأكثر استهدافاً للإدمان .









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية