
يرفض ذلك التيار الطارئ كل ذلك من إيران فقط لأنه يعيش ضمن دائرة الشك المطلقة خوفاً من المطامع «الفارسية» تجاه دول وشعوب المنطقة، وفي الوقت الذي يُندد فيه هذا التيار الطارئ بالحوار الإيراني الأميركي بشأن العراق بظروفه المعقّدة ويعتبره تآمراً وغيلةً على «الأمة وخياراتها ومصالحها» إلاّ أنه لا يُمانع من إجراء مصر لمباحثات مع الكيان الصهيوني بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة، بل ويعتبر ذلك رعاية لمصالح الشعب الفلسطيني، بل إن وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط يُصرّح قبل أيام من باريس بأنه يرصد «محاولة إيران تجميع بعض الأوراق للتأثير على الأوضاع الغربية في المنطقة (ويرى) أن هذه الأوراق في مجملها عربية ويطالب بعدم تجميع إيران هذه الأوراق، لأن استمرار محاولة اللعب بها سيكون له تأثيرات سلبية على الأوضاع العربية» لكنه يُعقّب على دعوة الرئيس جورج بوش إلى مؤتمر في الخريف المقبل لحل المشكلة الفلسطينية - الإسرائيلية بأن «هناك استعداد عربي للمشاركة في هذا الاجتماع المقترح، وأن نتيح (حسب كلام أبو الغيط) فرصة المشاركة لكل القوى ذات التأثير، سواء داخل منطقة الشرق الأوسط أو خارجها» وأنه تلقّى «أثناء اجتماع شرم الشيخ تأكيدات واضحة من وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بأن الولايات المتحدة ستسعى بجدية لتحقيق هذه النقاط، وكان واضحاً أن الولايات المتحدة ترغب في تأمين أكبر قدر من الاستقرار لمنطقة الخليج»! وأيضاً في الوقت الذي تقف طهران مع أرجل الطاولة السورية الأربع: الترتيبات الأمنية، عناصر السلام، الجدول الزمني للانسحاب والمياه الخاصة بالسلام السوري الصهيوني مع تلازم الموقف الإيراني بمفاعيل ميدانية واضحة تعترف بها القيادة السورية وتتمسّك بها، تُصرّ تلك الجهات الطارئة على إخراج هذا الموقف من محتواه وتخوينه بما يشبه الضحك على الذقون، بل وتزيد عليه بلوم السوريين على ذلك التحالف ودعوتهم جهاراً بضرورة الخروج من مخالب السياسة الإيرانية التي يرونها غولاً باتت دمشق رهينة له، في حين تراه الأخيرة جزءاً من التوازن الاستراتيجي لها في علاقاتها الخارجية وفي صراعها مع تل أبيب بشأن الجولان منذ خروج القاهرة من توازن الصراع العربي الصهيوني بعد اتفاق كامب ديفيد.
وهنا يُمكن تفكيك تلك الحالة الشاذة عبر تفويض أمرها لفقه السؤال عن مدى صوابية هذا المنهج الذي التأمت على حواشيه فُسيفساء غير متجانسة من القوى التي يجمعها فقط العداء «التاريخي» لإيران، فما الذي يجمع بعض القوميين بالإسلاميين، أو البعثيين ببعض اليسار، أو اليمينيين بالليبراليين؟! بل إن هذا الاصطفاف لم يكن مُجمع عليه من مُدخلية أوسع من القطر، فالمواقف القومية في مصر تتمايز عن تلك الموجودة في الأردن، ومواقف إسلاميي لبنان تتمايز هي الأخرى عن تلك الموجودة في الخليج وهو ما يعني تهلهل الجبهة الدافعة نحو استعداء إيران لارتهانها بسياسات بعثية منهارة ودينية موتورة ومتعصّبة، بل إن تفكيك الحالة سيُفضي حتماً براياتها إلى حيث الضد الآيدولوجي لذات الجبهة المحشورة من دون وعي في صراع أشمل وأوسع يُدار من وراء المحيطات، أضف إلى ذلك فإن هذا الإيغال في هذا الماخور الشوفيني سيعني التمكين لجنون قومي وديني متطرف سيجعل البلاد والعباد أمام تجربة مُرّة دون أن يُدرك عرّابوا هذا الخيار المنفلت خطورته وهول مآله، كما أنهم سيجدون أنفسهم حتماً في معركة «تحويل المسار» الأميركية من دون أن يُدركوا ذلك، وبالتالي فإن عليهم أن يدفعوا ثمن الهزيمة لأن الانتصار في هذه المعركة مُحال، فالخراب سيطال الجميع والنكسة الثانية من نصيب القاتل والمقتول، وإذا أراد هؤلاء التناجز بالأرقام والأحجام فعليهم أن يُدركوا أن إيران في المنطقة هي الأقدر على صوغ المعادلة الأعقد، وهي التي تملك المعابر البرية والحدود المترامية والقدرة على غلق منفذ الخليج الذي تمر منه ثروات المنطقة الثقيلة، وظهرها للصين وعينها على تركيا وآسيا الوسطى وتحت قاعها باكستان وأفغانستان وأمامها إطلالة ضخمة على مياه الخليج، وفي جوفها كتلة بشرية تتجاوز السبعين مليون ولديها الطاقة النووية والأحفورية والمياه العذبة من نهر قارون وهلمند والزاب الصغير وسيروان وشط العرب في حين تبقى المنطقة العربية في الأقليم تُهددها مشكلات الأمن والمياه والطاقة البديلة .
لا أقول أنا هذا الكلام ادعاءً بل سايمون هيرش هـو من يتحدث عن سياسة «تحويل المسار» وعن إجهاد إيران «الشيعية» والأصولية «السُنّية» عبر حرب ضـروس تهلكهما معاً، وأن «استقراراً أكبر في (الكيان الصهيوني) وفلسطين سيحرم إيران مـن نفـوذها في المنطقة» وبالتالي فإن التجييش والتحريض ليس في صالح القوي فضلاً عن الضعيف، والحكمة في هذه الظروف أجدى .









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية