
في الفترة التي أعقبت فوز السيد محمد خاتمي رئيساً للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدا وكأن الرجل لا يستهويه شيء في السياسة سوى أن يرى ما كان يخطّه يراعه في بطون الكتب والأسفار من نظريات تُسَاق غصباً إلى ميدان السياسة المتين، وكم كان خاتمي حالماً بأفكاره الفلسفية المُسْتَلَّة من ألبيم موج ومدينة السياسة ومن مطالعات الدين والإسلام والعصر ومن بقية كتبه التي دوّنها منذ استقالته من حكومة الإعمار الأولى برئاسة الشيخ هاشمي رفسنجاني في الرابع والعشرين من مايو/ أيار من العام 1992 عندما كان وزيراً للثقافة والإرشاد الإسلامي، لذلك فمن لاحظ جيداً الحُقبة التي تسيّد فيها خاتمي رئيساً في القصر الجمهوري الواقع بشارع فلسطين في العاصمة طهران سيرى حجم الخلط الذي وقع فيه الرجل ما بين الإمساك بثيمات الثقافة ولَسَعَات السياسة، فصار أشبه بالحائر ما بين الظُّلْمِ والظَّلَم، وبقيت دُفوع الثقافة هي رافعته في الخطاب وفي الإجراء، وكأنه بُعِثَ لقومِ لا يحتاجون إلى من يَسُوسَهُم بقدر حاجتهم إلى من يُبصّرهم على دين جديد، وقد أوقع ذلك خاتمي وحكومته في مأزق شديد عندما بدأت حِمى الملفات تظهر، ففي الداخل كانت أحزاب اليمين المحافظ ومشكلات الاقتصاد والتضخم والبطالة، وفي الخارج كانت قضايا إيران المُزمنة مع الولايات المتحدة الأميركية وبعض أطراف المجتمع الدولي ومشكلة انخفاض سعر النفط إلى أقل من ستة دولارات، الأمر الذي أصاب الخطة التنموية الثالثة في مقتل، ولم يعد أمام الرئيس خاتمي حينها من خيار سوى التخفّف من هوس الثقافة لصالح السياسة، لكنه مع الأسف لم يفعل، ولولا وجود مراكز القوى الأخرى داخل النظام والتي تَحُول دون تموضع القوة في زوايا مُحدّدة لكان الوضع سيئاً بلا إشكال . الجميع يتذكر أنه وفي حواضر السياسة ظهر هناك من رجال الدولة من هم فلاسفة ومفكرون وشعراء لكنهم حيّدوا نظرياتهم وأفكارهم وشِعْرهم عندما كانت تصطك الأسِنَّة، ولم يُعرَف عن دومنيك دوفيلبان رئيس الوزراء الفرنسي السابق في حكومة الرئيس شيراك أنه أرسى وزارته على سُرْيَة الثقافة على رغم أنه كان مفكراً وشاعراً وناقداً أدبياً (صدرت له ثلاثة دواوين شعر) ولم نسمع عن الرئيس السنغالي السابق ليوبولد سينغور أنّه تَمَيْسَم بشعره على دهاليز السياسة .
إنني أكتب هذا الكلام وأنا أترقّب المشهد الإيراني بين مارس/ آذار 2008 ومايو 2009 حيث انتخابات التشريع والرئاسة، ولا أعلم أين سيتّجه الناخب الإيراني ببوصلة السياسة الإيرانية هذه المرة، وهل يُعيد ترف المُثَقّفين إلى الواجهة كما حصل في العام 1997 أم يكتفي بما يُقدمه إليه أحمدي نجاد أو اليمين التقليدي .









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية