حشد بلا وجه

سنبقى نستبدلُ أوطاناً أكثرَ مما نستبدلُ أحذية

صنادل القنب

 
ليست لدي بصيرة خطيرة في اكتشاف النوايا الخفيّة للناس؛ لكن الأكيد أيضاً أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى بصيرة أصلاً لكي نفهمها ونُدرك مراميها وما تستبطن من أمور، بل إنها قد لا تحتاج حتى إلى تركيب مُزدوجات أو مناظير لكي تُبان ملامحها فنعيها .

 

 في السابق وعندما كان الناس يتطلعون إلى أشياء مُحددة كانت أوضاعهم مرهونة لثنائية مُختصرة، ومسلكياتهم وشخوصهم تمشي بالتزكيات الفردية والاستصحابات المُطلقة، ومن باب أن لكل ثقة ثقات، لم يحتاجوا يوماً إلى وقت لتقرير ما يرمون إليه بشأن فلان أو فلان، أما اليوم وقد انتظم العباد في جمعيات سياسية وأحزاب فقد أُذِنَ للتمحيصات والتقييمات أن تقع، وهل أن رفاق الأمس ورافعي الأحمال والأمانات قد تروّضوا في أن يُخلِي أحدهم للآخر موقعاً هنا أو هناك، أم أن العيش في نخاع اللانتظام لا يزال بفرض نفسه على الأخوة .. وهنا أضع خطين أمام ما يحدث في جمعية الوفاق الوطني الإسلامية إحدى الورثة الشرعيين لزمان الاحتراب بين الناس والحكم، إن ما يحدث اليوم في هذه الجمعية يُبشّر بغير ما كان يُنادي به بعض مُناصريها في السابق، فظاهرة جنوح بعض " الوفاقيين " أو ممن يُشاطرونهم الهوى للنزول للإنتخابات البلدية أو النيابية القادمة " مُستقليين " فقط لأن الأمانة العامة أو شورى الجمعية لم تخترهم ضمن قائمتها يعني أمراً خطيراً، وهو باختصار العلامة الأكثر جلاءً لعدم وجود التزام نفسي وفكـري وحزبي بالخيـارات العامـة التـي تنتظم فيها " مصلحة الأمة " هكذا يُنادون .. والأكثر أن نفراً منهم ممن اختار النزول " مُستقلاً " هم موازييك متنوع وبلا وجه.. بعضهم ممن يُناصرون حركة " حق " التي لا تعترف أصلاً بالانتخابات ولا بالتجربة !! وبعضهم قد تعهّر عنده العمل المؤسساتي بشكل مفاجأ عندما تناهى لسمعه بأن الوفاق أعرضت عنه واختارت غيره، لذا فهو لا يتورّع أبداً في حمل راية المناكفة مع الآخرين ضد جمعيته، من أجل كسب مشروعية ما في أي خطوة يخطوها لاحقاً، لذا فإن الأكيد ما بين ذاك وهذا أن حلقة معينة يجب أن تُسوّى في النسيج الحزبي المهترأ، فماذا يعني أن تتحقق صيرورة " لا أمر لمن لا يُطاع " إلاّ بوجود غير الصحيح ..

الأخطر من كل ذلك عندما ينسحب ذلك الإشكال على مؤسسات قائمة، تحدّت الأمر كما فعل الآخرون فُرادا، جمعية العمل الإسلامي (أمل) لم تتحمّل الخريطة الحزبية المُصاغة في البلد بفضل تراكمات قديمة، كما لم تتحمّل تباينات الأوزان وتوزّعها بشكل موروث، وبالتالي الخوف كل الخوف من ضياع أجزاء من الكعكة والمواقع، فاختارت لعبة خلط الأوراق بتحيين مُوجبات التحالف الرباعي إلى حيث هي تُريد أولاً، ثم بالمطالبة بما ليس بمسموح ثانياً، ثم بتقديم الشخوص غير المتوافق عليها ثالثاً، وهو ما يعني وضع العصا أمام العربة أو في عجلتها، ثم التباكي على " عُذرية التحالف " وتجريم الوفاق بأنها هي من فضّ بكارته، ثم ماذا الانتقام باستعارة سيمفونية تُسمّى " المستقلين " ولكم مع الفارق بين العنوان والمُعنون ..



<<الصفحة الرئيسية